فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 23694

والتفاعل بين الحضارات أمر لا مفر منه، فهو مظهر من مظاهر عدوى التقاليد، وانفتاح كل حضارة على التاريخ. وأشد ما يكون هذا التفاعل حين تكون الحضارة الناشئة في دور الاقتباس والتلقي، فإذا ما تجاوزته إلى دور الهضم والتمثيل، استحال ما أخذته إلى دم قوي نشيط يساعدها على بدء عملية الخلق والإبداع، هذه العملية التي تعطيها طابعها الخاص وشخصيتها المميزة، ككائن مستقل واضح الخصائص.

والحضارة العربية واحدة من تلك الحضارات المنفتحة على التاريخ. إنها من الحضارات الشاملة التي تأثرت بها شعوب مختلفة، ولعبت دورها المجيد في سير الحضارة البشرية، وهي، عدا عن كونها امتدادًا لحضارة اليونان والرومان، ذات شخصية متميزة، وتجاوزتهما إلى بعض أوروبا، وكان لها أثرها الفعال في بعث النهضة الأوروبية الحديثة.

ولو لم يكن للحضارة العربية إلا دور الوسيط الذي حمل إلى الغرب أنفس ما في التراثين اليوناني والروماني، لكفاها ذلك فخرًا، ولجنبها تهمة الشح في العطاء، التي يحاول بعض المتجنين على التاريخ إلصاقها بها.

قال غوستاف لوبون:"لقد أنشأ العرب بسرعة، حضارة جديدة، كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها، وتمكنوا بحسن سياستهم من حمل أمم كثيرة على انتحال دينهم ولغتهم وثقافتهم، ولم يشذ عن ذلك أقدم الشعوب كالمصريين والهنود الذين رضوا أيضًا بمعتقدات العرب وعاداتهم وفن عمارتهم"..

وقال:"إن الأمم التي غابت عن التاريخ لم تترك غير أطلال وصارت أديانها ولغاتها وفنونها ذكريات، أما العرب فما زالت عناصر حضارتهم باقية حية".

ويقول صاحب كتاب"اعتذار إلى محمد والإسلام": يجب أن نعترف بأن علوم الطبيعة والفلك والفلسفة والرياضيات التي أنعشت أوروبا منذ القرن العاصر مقتبسة عن القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت