الأديب مغترب عن زمانه ومكانه ومجتمعه مُنْتَمٍ إلى ذاته وحدها في همه الإبداعي ما في ذلك شك، فذاته هي محور صياغة التجربة النفسية وتشكيلها تجربة إبداعية، ولولا تلك الغربة وذلك التفرد لعاد الأدب كلامًا من الكلام، بيد أن أية تجربة يتعامل معها الأديب لا بد أن تكون انتهت إليه من رافد إنساني (اجتماعي) واستثارت في وعيه حصيلة ثقافة استرفدها من المجتمع أيضًا، فلما تملكته ونبضت في نفسه وتحولت تجربة ذاتية خاضعة لمنظورة المتفرد وأراد أن يحيلها تجربة إبداعية كان عليه أن يؤول إلى أدوات اجتماعية من لغة وفكر وطبيعة تراث لينجز صيغتها التوصيلية التي يدرك أنها لن تتيح لتجربته الوصول إلى الآخرين إلا من خلالها وبوساطتها، فهو بهذا يطمح إلى أن يؤدي مهمة (التكيف) أو (التوافق) التي هي غاية النشاط الفني، بتعبير آخر إن عملية الإبداع تبدو محاولة تبذلها (الأنا) لسحب (الآخرين) إلى موقف (النحن) ( [4] ) وبهذا الفهم أيضًا يكون لنا أن نتأمل طبيعة الجماعية في تشكيل خلفية العمل الإبداعي من خلال المغزى العميق لمقولة لانسون:"أكثر الكتّاب أصالة هو إلى حد بعيد راسب من الأجيال السابقة وبؤرة لتيارات المعاصرة وثلاثة أرباعه من غير ذاته" ( [5] ) .
على أن ذلك لا ينبغي أن يغرينا بأن نغض النظر تمامًا عن أن العمل الإبداعي يبقى وليد خصوصية اغتراب مقصود هو روح الإبداع نفسه مهما بدا المبدع راضخًا لزخم جماعية روافده ومعالجته وأهدافه.