فهرس الكتاب

الصفحة 10242 من 23694

"لو خلق إنسان دفعة واحدة، وخلق متباين الأطراف، ولم يبصر أطرافه واتفق له أن لم يمسها ولا تماست ولم يسمع صوتًا، جهل وجود جميع أعضائه وعلم وجود آنيته شيئًا واحدًا مع جهل جميع ذلك، وليس المجهول بعينه هو المعلوم، وليست هذه الأعضاء لنا في الحقيقة إلا كالثياب التي صارت لدوام لزومها إيانا كأجزاء منا عندنا، وإذا تخيلنا أنفسنا لم نتخيلها عراة بل تخيلناها ذوات أجسام كاسية، والسبب فيه دوام الملازمة، إلا أنا قد اعتدنا في الثياب من التجريد والطرح ما لم نعتد في الأعضاء، وكان ظننا الأعضاء أجزاء منا أكد من ظننا الثياب أجزاء منا وأما إن لم يكن ذلك جملة البدن بل كان عضوًا مخصوصًا فيكون ذلك العضو هو الشيء الذي أعتقده أنه لذاته أنا أو يكون معنى ما أعتقده أنه أنا ليس هو ذلك العضو وإن كان لا بد له من العضو، فإن كان ذات ذلك العضو وهو كونه قلبًا أو دماغًا أو شيئًا آخر أو عدة أعضاء بهذه الصفة هويتها أو هوية مجموعها هو الشيء الذي أشعرته أنه أنا فيجب أن يكون شعوري بأنا هو شعوري بذلك الشيء، فإن الشيء لا يجوز من جهة واحدة أن يكون مشعورًا به غير مشعور به، ثم ليس الأمر كذلك فإني إنما أعرف أن لي قلبًا ودماغًا بالإحساس والسماع والتجارب، لا لأني أعرف أني أنا فيكون إذًا ليس ذلك العضو لنفسه الشيء الذي أشعرته أنه أنا بالذات، بل يكون بالعرض أنا، ويكون المقصود بما أعرفه مني أني أنا الذي أعنيه في قولي أنا أحسست وعقلت وفعلت، وجمعت هذه الأوصاف شيئًا آخر هو الذي أسميه أنا، فإن قال هذا القائل: إنك أيضًا لا تعرفه أنه نفس فأقول: إني وإنما أعرفه على هذا المعنى الذي أسميه النفس، وربما لا اعرف تسميته باسم النفس" (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت