ظهر نبوغ فيلسوفنا العربي الطبيب، وهو لم يزل طفلًا وما إن بلغ الثامنة عشر من عمره حتى كان يلم بجميع أنواع المعرفة، ولم يكن ينقصه إلا التعمق بها، فطفولة ابن سينا"طفولة سعيدة لأن والده وفر له سبل العيش السعيد ووكل به إلى معلم لتعليمه مبادئ الكتابة وتلاوة القرآن والأدب، ولما بلغ العاشرة اتفق له من التقدم ما يثير العجب، ووافق ذلك وصول أحد دعاة الإسماعيلية من مصر كان يعلم نظرية مذهبهم في النفس والعقل، فاعتنق"ابن سينا"مذهبهم الفلسفي إلى جانب ما كانوا يعلمونه من العلوم الأخرى كالهندسة والحساب، حساب الهند. وقد أجاد فيه فيلسوفنا بعد أن تلقى مبادئه على يد بقال يقال له"محمود المساح"ثم توجه"ابن سينا"لدراسة المنطق على يد"الناتلي"، ومن مبادئ المنطق انطلق يدرس بنفسه، فقرأ رسائل المنطق، وأنعم النظر في الشروح، وفعل مثل ذلك حيال الهندسة، هندسة"أقليدس"، ثم انتقل إلى دراسة"المجسطي"، ثم اشتغل بتحصيل الكتب من النصوص والشروح من الطبيعي والإلهي، وصارت أبواب العلم تنفتح عليه -حسب قوله- وهناك رغب في علم الطب وبرز فيه في أقل مدة - يقرأ الكتب المصنفة فيه وصار يتعهد المرضى، فانفتح عليه من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، مع أن سنه -كما يروي المؤرخون- كانت لا تزيد عن ست عشر سنة، وهكذا يتبحر"ابن سينا"الشاب في سلسلة العلوم المنطقية والطبيعية والرياضية والطبية إلى الحد الذي يستطيع الرجل أن يبلغه، ولما بلغ الحادي والعشرين من عمره صار يؤلف..."