فهرس الكتاب

الصفحة 10780 من 23694

على أن هذا التلاقي العربي الإسباني في العصر الأموي لم يكن أول لقاء بين العرب وإسبانيا في التاريخ،"فقد وصل ملاحون من سورية القديمة إلى سواحل إسبانيا والبرتغال والجزر القريبة منها بقصد التجارة منذ أواخر الألف الثاني من قبل الميلاد. ففي قادس ومالقة وقرطاجنة وجزيرة إيبيزا وغيرها، نزلت جماعات من الكنعانيين الفينيقيين ومن البونيين" (1) "الذين أبحروا من مدن فلسطين وسورية (2) ، من القدس وانطاكية وصور وبيروت ودمشق وجبيل وأوغاريت وأرواد. وهناك في شواطئ شبه جزيرة إيبريا، تشكلت في أثر تلك الموجات النازحة جاليات سورية ناشطة حيث أقامت مستوطنات لها، تاركة مياسمها فوق تلك الأرض من أسمائها وأسماء أربابها منقوشة على الحجر الأصم وعلى شواهد القبور."

"وكان بعض هذه الأسماء والأفعال عربيًا من مثل (عز، عزة، ملك، بعل، عشترت) ، ومثل (فعل، نذر، حدّث...) ، وأقدمها يرجع إلى نحو سبعة قرون قبل الميلاد" (3) ، وينبئ عن وجود حضاري كنعاني ذي شأن في شبه جزيرة إيبريا على الصعيد الديني والاقتصادي والاجتماعي.

كان هذا التفاعل الحضاري الغابر أول الغيث، قبل الانهمار الكبير بعد قرون أخرى، حين تم الفتح الإسلامي للأندلس محدثًا ذلك المنعطف التاريخي البارز في خارطة العالم القديم.

لقد استمر الوجود العربي في الأندلس قرابة ثمانية قرون، كان خلالها ظلهم السياسي والثقافي المنبسط على تلك الربوع يتراوح بين مد وجزر، قبل أن ينحسر عن الأفق الغربي، وينكفئ إلى الشاطئ الأفريقي في نهاية المطاف، لتسقط بذلك تلك الدرة النفيسة من تاج الملك العربي.

*الانصهار والتمازج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت