فهرس الكتاب
ولابد من لفت النظر إلى أن تعامل الشعراء مع هذه المسألة لم يكن الغرض منه تنويم الناس ودعوتهم إلى الاستسلام للظلم المسلط عليهم والاستكانة له، إنما كان هدف الشعراء من ذلك تقوية الجانب الإيماني في نفوس مخاطبيهم، وحملهم على التعامل مع واقعهم انطلاقًا من ثقتهم المطلقة في تأييد الله عز وجل ونصره لهم؛ حتى لا يتطرق إليهم الوهن والضعف وهم يخوضون حربًا ضروسًا غير متكافئة من حيث الوسائل المادية مع قوة تعد من أعتى القوى الاستعمارية في العصر الحديث نقول ذلك، لأن من كان إيمانه بربه قويًا وثقته في عدله وفي وفائه بما قطعه على نفسه من وعود مكينة، فإنه لا يتوانى ولا يتخلف عن مقاومة الظلم والظالمين: لأنه على يقين مطلق من أن الخالق الكريم الذي لا يرضى عن الظلم ناصرُهُ لا محالة، ومكافئه على جهاده لقطع دابر الفساد، ومن ثمَّ فإنه في الوقت الذي رأينا فيه العيد وزكرياء يقرران أن القضاء والقدر حق يجب على المؤمن أن يسلِّم به ويقبله. فإننا نراهما من ناحية أخرى يذهبان إلى أن رفع السلاح في وجه الطغاة الظالمين حق، لأن الله جلت قدرته قضى وحكم على فناء فرنسا وانتهاء جبروتها إلى الأبد كما يقول مفدي: ... وجرى القصاص فما يتاح ملام
نطق الرصاص فيما يباح كلام
وقضى الزمان فلا مردَّ لحكمه ... وجرى القضاء وتمت الأحكام
وسعت فرنسا للقيامة وانطوى ... يوم النشور وجفت الأقلام
وهكذا فإن الدعوة إلى الصبر وإلى الاعتقاد بالقضاء والقدر والتوكل على الله وحده كانت تأتي في الشعر الجزائري الحديث في مقاصدها الحقيقية، ولم توظف لتبرير الاحتلال وتسويغ ظلمه وتعسفه فمثل قول محمد العيد: ... بآلائه من كل رطب ويابس
أفوض أمري للذي غمر الورى
عملًا بقوله تعالى: ?فستذكرون ما أقوله لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد?. (غافر: 44) . ... ربَّاه أنفذها قرار الباري
وقول زكرياء:
وإرادة المستضعفين إذا دَعَوْا
وقول أحمد سحنون: ... ويجعل بعد العسر من أمرنا يسرًا