لهذا نلمس لديه طموحًا لتقديم فهم واقعي غير مجرد للتراث"يتنزه عن إدعاء نزعة علمية وضعية، تفصل التراث المقروء عن وعينا، أو نزعة مثالية ذاتية تفصل التراث المقروء عن عصره، هذا المعنى الذي نتعلمه من"التاريخ"لن يصل أنماط قراءة التراث النقدي بالأنساق الأدبية أو النقدية للقارئ الحديث فحسب بل يجعله من عملية القراءة نفسها جانباًٍ لا ينفصل عن أنساق معرفية كبرى، تشمل النقد الأدبي وتحتويه، وتجعل من عملية قراءة التراث النقدي جانبًا لا ينفصل عن عملية قراءة التراث بوجه عام، سواء كنا نتحدث عن التراث بمعانيه الخاصة أو العامة (2) لأننا حين نقرأ التراث كله، بشكل جيد، لا بد أن ينعكس ذلك بشكل إيجابي على قراءة الواقع، إذ نتمكن من الاستفادة من معطياته الإيجابية في بناء أدبنا وفكرنا بناء متماسكًا، ولكن يلاحظ د. عصفور أن كتب تاريخ النقد الأدبي عند العرب ما تزال قاصرة، إذ لا نعرف فيها سوى النقد النظري والتطبيقي بمعناهما الضيق (الذي يخرج شروح الشعر المعاني ومقدمات الشعراء لدواوينهم، ونصوصهم الشعرية التي تنعكس على نفسها لتصف الشعر، وردودهم على خصومهم، ودفاعهم عن اتجاهاتهم المخالفة ومختاراتهم وشروحهم لشعر غيرهم...) "
ينبه، هنا، على أمر هام وهو قصر النظر والسطحية في التعامل مع التراث النقدي لذلك نجده يدعو إلى امتلاك نظرة ودقيقة حين نقرأه لنصل إلى قراءة منهجية، تسهم في تطوير وعينا بواقعنا وتراثنا في آن.
ولكن إلى أي مدى حقق هذا الطموح، وهل استطاع أن يقرأ التراث، كما هو قراءة محايدة، أم انطلق في قراءته من أفكاره الخاصة التي أسقطها على النص التراثي فحمله فوق طاقته؟