أملى أبو العلاء المعري هذه الرسالة سنة 424 هـ وذلك ردًا على رسالة تلقاها من ابن القارح، علي بن منصور، الأديب الحلبي، وقد أملى هذه الرسالة وهو في سن التشاؤم والانهزام من الحياة.. والواقع أن العالم النفسي لأبي العلاء في رسالته هذه إنما كان متأثرًا بموقفه من المجتمع الذي كان يعيش فيه من هنا فقد كان تصوير أبي العلاء لشخصيات الرسالة تصويرًا ناطقًا ولا سيما ذلك الوصف الذي تناول به بشار بن برد الذي حرم بصره في الدنيا ثم أعيد إليه بصره لا ليسير به، بل ليبصر أنواع العذاب ومذاقها. وقد كانت شخصيات رسالة الغفران شخصيات اصطفاها أبو العلاء من عالم الشعراء واللغويين والمغنين وذلك لتشكيل وحدة مسرحية ناطقة معبرة لما كان يجري في عالم أبي العلاء النفسي والخيالي.
وترى بنت الشاطئ أن طبيعة رسالة الغفران تشبه طبيعة العمل المسرحي والفني وهكذا فإن رسالة الغفران على حد رأيها إنما هي مسرحية تتألف من فصول ثلاثة هي الجنة، والجحيم ثم العودة إلى الجنة (1) .
تبدأ الرسالة بنهوض ابن القارح من القبر تلبية لنافخ الصور كما لبى سكان القبور. وهكذا فإن بدايات الرسالة إنما هي محاولة ابن القارح الولوج إلى الجنة بعد الشفاعة والمغفرة، وفي الجنة يجتمع إلى أهلها وبعض سكانها ثم يعرج على النار فيتحدث إلى من تشملهم المغفرة.
3-البنية التركيبية لرسالة الغفران:
تمثل رسالة الغفران وحدة بنوية كاملة ذات بعد شعري ولغوي وفلسفي وهذا ما دفعني بالفعل إلى النظر في هذه الرسالة نظرة كلية معتبرًا إياها عملًا منسجمًا ومتناسقًا في وحداته وعناصره التي تمثل تلك الأبعاد الشعرية واللغوية والفلسفية.
والواقع أن النظرية البنوية (البنيوية) بعد أن تنظر إلى النص نظرة كلية تحاول تفتيت ذلك الكل إلى وحدات وعناصر صغرى وذلك لمعرفة تركيباتها وبنائها ولمعرفة المهاد (الخلفية) الذي مكن الكاتب من صياغة ذلك الكل الفني أو الفكري.