فهرس الكتاب
الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن، ومافيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، فالنقل والسماع لابد منهما في ظاهر التفسير أولًا ليتقي بهما مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهم والاستنباط.
وطبّق الطبري منهجه في الجمع بين المأثور والمعقول، في تصديه لتفسير معاني الآيات القرآنية، فمثلًا جاء في 1/ 48: القول في تأويل قوله تعالى: (العالمين( في سورة الفاتحة، قال أبو جعفر:"والعالمون جمع عالم، والعالم جمع لا واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش.. والعالم: اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منهم عالم... فالإنس عالم، وكل أهل زمان منهم عالم ذلك الزمان، والجن عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كل جنس منهم عالم زمانه"... وهذا القول الذي قلناه قول ابن عباس وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامة المفسرين. ثم ذكر أقوالهم.
أما السيوطي فاقتصر على إيراد الآثار المختلفة، دون تعرض لشيء من التأويل، فكان تفسيره في ذلك أقل مستوى من تفسير الطبري، ومنهجه الذي سار عليه جميع المفسرين، ففي تفسيره (العالمين( في المثال السابق أورد عشر روايات عن ابن عباس وسعيد بن جبير وجابر بن عبد الله ومجاهد وغيرهم، مفسرين العالمين، بقولهم:"الجن والإنس".
ويظهر من ذلك أن هناك اتفاقًا بين الطبري والسيوطي في التفسير بالمأثور ويزيد الطبري عن السيوطي أنه ضم إلى ذلك التفسير بالمعقول. ويتضح الفرق بينهما في مثال آخر في تفسير قوله تعالى: (من يَهْدِ الله فهو المهتدِ، ومن يُضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا(.(الكهف: 17) . وهو مما قد يوهم أن الإنسان مسير لا مخير، فلا نجد السيوطي في موقع تفسير هذه الآية (4/ 391) . يأتي بشيء فيها، لعدم وجود الآثار في ذلك، بينما الطبري (في 15/ 141) يقول في تفسيرها: