فهرس الكتاب

الصفحة 11383 من 23694

وقبل مالك بن الريب النجدي كان عبد يغوث فارسًا جاهليًا يمانيًا وسيد قومه من بني الحارث وشاعرًا بليغًا وقد أسرته يوم الكُلاب الثاني قبيلة تيم. فلما تبين له عزمهم على قتله ناداهم: يا بني تيم اقتلوني قِتْلة كريمة. قالوا: وما تلك القتلة؟ قال: اسقوني الخمر ودعوني أنوح على نفسي فجاؤوه بالشراب وسقوه وقطعوا عرقه الأكحل وتركوه ينزف ومضوا. فقال قصيدته المشهورة التي قصيدة مالك على وزنها ورويّها. وأولها:

ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا

ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا

فيا راكبًا إمّا عرضت فبلّغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا

قال الجاحظ في البيان والتبيين: ليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد وعبد يغوث. فإن ذلك إذا قسنا جودة أشعارهما في وقت إحاطة الموت لم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية (11) . ... فقد زادني مسراكِ وجدًا على وجدي

ونحن نزيد على قول الجاحظ مالك بن الريب.

وكلما قرأت قصيدة مالك وقصيدة عبد يغوث تمثلتهما لحنين جنائزيين عند الغربيين يُذكرانني اللحِنَ الجنائزيَّ الذي كتبه الموسيقي النمساوي المشهور موتسارت وهو يكابد غصص النزع ويعاني كرب الموت.

نجد بلد العشق والعشاق. أذكر أن أول شعر حفظته في صباي بالمدرسة الابتدائية كان شعر ابن الدمينة. وما يزال هذا الشعر يرنّ في سمعي وفي خاطري:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد

أ إن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فَنَنٍ غض النبات من الرند

بكيت كما يبكي الحزين صبابة ... وذبت من الوجد المبرح والصد

بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جزوعًا وأبديت الذي لم تكن تبدي

وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد

بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد

على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت