فهرس الكتاب
وسيد العشق الإنساني في العالم كله قديمه وحديثه يمثله حقيقة أو رمزًا قيس بن الملوح، قيس المجنون، مجنون بني عامر، أخباره ملأت الكتب والروايات. قيل مرَّ المجنون برجلين قد صادا ظبية فربطاها بحبل وذهبا بها. فلما نظر إليها وهي تركض في حبالهما دمعت عيناه وقال لهما حلاَّها وخذا مكانها قلوصًا من إبلي: فأعطاهما وحلاَّها، فولّت تعدو هاربة فقال وهو ينظر إليها وهي تعدو: ... لك اليوم من وحشيةٍ لَصَديق
أيا شِبْه ليلى لا تُراعي فإنني
ويا شبه ليلى لو تلبثت ساعة ... لعل فؤادي من جواه يفيق
تفرّ وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى لو علمت طليق
وقد رأينا كيف أن الوحوش في الجزيرة العربية تغدو أهلًا وأصدقاء لفريق من الناس تتعايش معهم وتأكل من زادهم فكيف بالظباء والوعول والمها السائمة في أرجاء تلك الواحات والرمال! إنها صور للتأمل والإعجاب. ... بما رَحُبَت يومًا عليَّ تضيق
بيد أن نجدًا على اتساعه ورحب أراضيه يضيق بالمحب الهيمان:
تكاد بلاد الله يا أمَّ مالكٍ
وعندئذ لابد من التداوي والتعلل والتسلي ما أمكن بالسياحة وبالشعر. ... وفاضت له من مقلتيّ غروب
يرى المجنون السيل فتجري دموعه كالسيل حنينًا إلى الوادي الذي سال منه ومر بالقرب من حي الحبيبة. ويحوّل الحب ماء السيل الأجاج عذبًا طيبًا عند مروره به:
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى
وما ذاك ألا حين أيقنت أنه ... يكون بوادٍ أنت منه قريب
يكون أُجاجًا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقَّى طيبكم فيطيب
أظلُّ غريب الدار في أرض عامرٍ ... ألا كلُّ مهجورٍ هناك غريب
وكم ارتاد قيس جبل التوباد وكان يرعى هو وليلى غنمهما عنده لما كانا صغيرين حتى صار الجبل ذاته وهو جماد يستعظم كثرة اختلافه إليه: ... وكبَّر للرحمن حين رآني
وأجهشت للتوباد حين رأيته
وأذريت دمع العين لما عرفته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني
وكم علا سفحه وصعَّد في شعافه! وكم أشرف أيفاعًا أخرى! ... ولا أُنشد الأشعار إلا تداويا
فما أُشرف الإيفاع إلا صبابة