فهرس الكتاب
ومن المفيد القول، أن هالة القدسية التي كلل بها الغرب اليونان وروما، بدأت تزول من العقول؛ وأخذت منطقة الشرق الأدنى، وقلبها النابض الهلال الخصيب، تستعيد حقوقها الحضارية على يد بعض قضاة الفكر الإنساني العادلين. يقول ديورانت أيضًا"فإذا ما درسنا الشرق الأدنى، وعظمنا شأنه، فإننا إنما نعترف بما علينا من دين لمن شادوا بحق صرح الحضارة الأوربية والأمريكية، وهو دين كان يجب أن يؤدي من زمن بعيد".
الهلال الخصيب دائرة التقاء قاري حضاري:
ولنعد إلى البداية فهلال الشرق الأدنى، الخصيب، يمسك قارات ثلاث يمد إليها شرايين الحضارة ويفاعلها؛ ومن حوله الحواجز المائية من المتوسط إلى البحر الأحمر إلى الخليج العربي، يخترقها بإبداعه، ويحولها إلى ممرات اتصال وتفاعل، محققًا بذلك عالمًا متوسطيًا رائدًا.
هذا الهلال الخصيب، يشكل نقطة جذب، ودائرة التقاء قاري هائل. وهو ممر إجباري، ومسرح للصدامات التاريخية، تنجذب إليه، مشدودة"بسحره الشرقي الخلاب"، النزوحات البشرية المتعطشة إلى التحضر والعمران، كما تنهال عليه القطعان البشرية، كالجوارح، بهدف التوسع والعدوان.
نشأة الزراعة، والتجارة، والصناعة، والشرائع، والحرف المكتوب:
على أرض هذا الهلال، وعلى أرض مصر المجاورة له، على هذا المسرح الحضاري الآهل بالسكان، والغني بالثقافات المختلفة، نشأت الزراعة، والتجارة، والخيل، وعليه أيضًا نشأت الصناعات والشرائع والحكومات، وعلوم الرياضة، والطب، والهندسة، والفلك، وهندسة البناء، وأقنية الري، والتقويم، والساعات، وصدرت دائرة البروج، وعرفت الحروف الهجائية، والكتابية، واخترع الحبر والورق، وكتبت الكتب، وشيدت المدارس والمكتبات، ونشأت الآداب والموسيقا والنحت، وصنع الخزف المطلي المصقول، والأثاث الجميل؛ كما نشأت عقيدة التوحيد، ووحدة الزواج، واستخدمت الحلي، وأدهان التجميل، واستخدمت المرضعات، وشربت الخمور، وولدت الآلهة، والأساطير.