فهرس الكتاب
ويشبه نضال الأمير عبد القادر للفرنسيين جهاد زعيم صوفي آخر في السودان للإنجليز وهو محمد أحمد المهدي (1843-1885) الذي حفظ القرآن منذ صغره بهرته دون أترابه في الدرس أنوار التصوف فأقبل عليها (116) وانقطع في جزيرة"عبه"في النيل الأبيض خمسة عشر عامًا وهناك بدأ ممارسة رياضاته السلوكية ليقهر جماح النفس على الصعب ليبدأ مرحلة رفع عمد الإسلام والحرب في سبيل الله ولاسيما والسودان كله يتطلع إلى الخلاص من كابوس الاحتلال الإنكليزي بقول صاحب كتاب حلية البشر"وفي سنة سبع وتسعين ظهر رجل بالسودان يسمى محمد أحمد ولم يدّع أنه المهدي... وكان قبل ظهوره مشهورًا بالصلاح ومن مشايخ الطرائق وكثر أتباعه ومريدوه فلما دخل الإنجليز حاربهم وحصل له وقائع كثيرة والغلبة في تلك الوقائع كلها له عليهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا... فتملك جميع السودان وكان أمره معهم عجيبًا يأتون إليه بالعساكر الكثيرة والمدافع والآلات الشهيرة فيقابلهم بجيوشه السودانيين وليس معهم إلا السيف والرمح والسكاكين" (117) وقد تمكن الثوار بقيادة المهدي من محاصرة الخرطوم 1885م وقتل حاكم السودان الإنكليزي (غوردن) .
وفي هذه الآونة ظهر في مصر الزعيم أحمد عرابي (1841-1911م) الذي نشأ في بيئة صوفية. وفي ذلك يذكر عرابي عن أبيه أنه كان شيخًا جليلًا عالمًا ورعًا وأن جده تزوج شقيقة السيد الرفاعي الصيادي (118) وكان لهذه النشأة أثر بعيد في تكوين خلقه وشخصيته وقد جاء في بعض الكتابات (أحمد عرابي الحسيني مسلم صوفي جاور في الأزهر عامين اتصاله وثيق مع العلماء قد التف حوله جند مؤمنون يقضون الليل في الاستماع إلى القرآن وفي حلقات الذكر) (119) . وكان عرابي يعيش عيشة الزاهد المتقشف متأسيًا بذلك السلف الصالح وهو القائل:
"لا نجاح لأمة نبذت أحكام دينها ظهريًا، ولا فلاح لقوم استعبدوا شهواتهم" (120) .