إن الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين لم يحدث من الخراب في الأرض وفي الأجسام ما أحدثه في القلوب والأرواح والأفهام فقد أصبح المسلمون بما تسرب إلى بواطنهم يجهلون أنفسهم ولا يعرفون من حقيقة أمرهم شيئًا. وقد تبين لنا من سرد ما تقدم كيف عَمد بعض الدعاة إلى تشويه ناحية مهمة في ميدان التصوف فيما يعسر فهم ذلك على غير المطلع المتضلع في دراسة هذا العلم والإحاطة به.
إن فهم التصوف اليوم يتطلب الرجوع إلى المصادر الأساسية بعيدًا عن المؤلفات التي طالعنا بها العصر الحديث فجاء أغلبها استشراقًا (124) بعيدًا عن الواقع والحقيقة إذ ليس التصوف خمولًا ولا انهزامًا كما ادّعوا وليس التصوف تواكلًا وهوانًا كما زعموا إن التصوف قوة وبأس ونضال ونفس ملهمة عاملة إنه تصعيد بالحياة إلى أعلى وارتفاع بالقيم الإنسانية إلى ما هو أرفع وأسمى.
ومهما يكن من أمر فإن التصوف جزء من الأجزاء التي تألف منها تراثنا خضع كما خضع غيره من مظاهر الحياة الإسلامية لعوامل النشوء والارتقاء ولمقتضيات التراجع والانحطاط على أن هذا لا يعني أن الحياة الروحية الإسلامية لم تعدم بعض النفوس الصافية والقلوب الطاهرة التي كانت وما تزال تظهر من حين إلى حين. وأخيرًا فإن هذا البحث يفتح آفاقًا جديدة ويحتاج إلى دراسة واسعة لأن مثل هذه الدراسة لن تعمق فهمنا واحترامنا للتراث بإضفائها روحًا جديدة عليه فحسب ولكنها سوف تعمق وعينا بأنفسنا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا وهذا أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة من تاريخنا.
وأرجو أن أكون قد وفقت ولو قليلًا في إلقاء الضوء على هذا الجانب من التصوف. وآمل أن أتمكن أو يتمكن غيري أن يسير في هذا البحث مرحلة جديدة إلى الأمام.
المصادر والمراجع والهوامش:
(1) مجلة المعرفة، العدد (328) ك 2-1991: مقال مطول بعنوان"الصوفية بين ترك الجهاد ووهم المجاهدة".