فهرس الكتاب
إن هذا النزوع إلى توثيق الخبر وتحري الرواية، ولا خلاف في أن مردَّه إلى ثقافة الرجل الدينية وتخلقه بأخلاق أئمة الحديث، إنما ينم على تعامل مع النص الشعري،"فقهي"، وانصراف يكاد يكون تامًا إلى الاستئناس به. والحق أننا قد لا نحتاج إلى التذكير بأن مباحث النصوص كان لها الصدر في علم أصول الفقه دون سائر المباحث والأبواب وأن هذا العلم إنما تأسس لا على حماية النص من مطلق القراءة فحسب، بل على سلامته في المحل الأول. ولعلنا أن نستطيع بهذا تقدير رواية الشعر عند ابن المستوفي من حيث هي محاولة في استعادة روح الاستكشاف التي امتلكها عصر التأسيس وفي إحلال الشعر أو القراءة مكانة تكافئ مكانة النص. ومن اللافت ألاَّ يحول التماس الرواية بهذه الصرامة، بينه وبين تلمس أثرها في الشروح، بحيث لا يقصر الأمر على حل إشكالاتها وفض الاشتباك في مابينها، أو مجرد نقضها ومفاتشتها، وإنما يتلبث عند صور المعاني التي تحتملها تقليبات الرواية ويطيل النفس فيها ويحتشد لها أو عليها بأكثر من أداة ومن أكثر من سبيل، فقد يكون المعنى والرواية متجاذبين هذا يدعو إلى أمر، وتلك تمنع منه، فنجده يقدر الرواية على سمت تفسير المعنى، فإن لم يكن، جنح إلى تصحيحها، فإن استعصى المعنى حمله على الحدس والظن. وهو في ذلك كله يرد اختلاف المعاني إلى اختلاف الروايات دون معين من قرائن أخرى أحيانًا، أو يجعل تعدد المعاني بسبب من تعدد الروايات. وكأن الروايات هي التي تحفظ للنص كثيرًا أو قليلًا من تجدده، وتؤمن له كثيرًا أو قليلًا من خصوبته، ولعل هذه الأمثلة في توسعه في وجوه المعاني ووجوه التخريجات أن تكون خير ما يكشف عن هذا الجانب عنده، ففي معالجته لبيت أبي تمام:
جهميَّة الأوصاف إلاَّ أنهم