فهرس الكتاب
وإن من يسرّح النظر ويتأمل فيما استجد داخل سورها وخارجه على مدى قرون، ويستغرقه عمر المدينة وعمرانها، بالمعنى الخلدوني للعمران، يعجز عن كبح جماح العشق والاعتزاز والزهو، ويسلم قيادة القلب لقلب يرجو ألاَّ يعمى أبدًا وألاَّ يشيخ أبدًا، ليرى ويدرك ويستمتع ويحب، ولتتداخل فيه، كما تتداخل فيمن يعشق، أمشاج البدايات مع ما انتهت إليه الشام اليوم من عمران ومواقف واستخلاصات، وليتحقق من أن الجذر الثقافي العربي القديم -القديم الذي نبتت عليه جذوع دمشق وفروعها، هو ذاته الجذر الحي الذي ما زال يمد عروبتها وإسلامها اليوم بنسغ الرؤية والحياة، وأنه سيبقى قادرًا على استيعاب كل معطيات التربة ومستجداتها، فيتمثلها ويسوغها ويصوغها ويقدمها غذاءً ونموًا وبقاءً لأنواع حضوره اليوم وبقائه المرتجى على الزمن، حاملًا هوية المكان والزمان والأمة التي كانت دمشق حاضرتها الأحب، والأعز والأوضح والأصرح، وستبقى.
فلدمشق، من ريحانها وياسمينها وجوريها، باقة فيها من حب القلب وخلاصات العقل والوجدان، ما لا يخفى على البصيرة إذا ما عجز عن ترجمته البيان.