فهرس الكتاب

الصفحة 12020 من 23694

ما من شك في أن كل تحرر سياسي لابد وأن يكون مسبوقًا بتحرر فكري، والبلاد العربية، منذ أوائل القرن التاسع عشر، وحتى الربع الأول من القرن العشرين كانت تنتابها موجة فكرية واسعة النطاق، متعددة النواحي، بدأ صداها ينعكس على الحياة العامة بمطالب سياسية. وهذه المطالب لم تبدأ إلا بعد أن تشكلت في البلاد العربية طبقة فكرية مختارة ومستنيرة ومتأثرة بالحضارة الغربية. بدأت بشكل تحسس وشعور، وانتهت بوعي أكيد. ولم يكن هذا الوعي على درجة واحدة، كما لم يخامر جميع الأذهان، والسواد الأعظم من أبناء العرب منهمك في مشاغل حياته اليومية، يسعى وراء رزقه، لا يهمه من أمر السياسة قليل أو كثير: ناهيك أن الأمية في أوساطه كانت بنسبة مرتفعة.

وما كان لهذا الوعي العربي المتفتح أن يتحرك لولا ما حدث في الإمبراطورية العثمانية من تغييرات مرحلية تتلخص بمحاولات الإصلاح المتوالية: من قضاء على الانكشارية، وصدور مرسوم خطي شريف 1839، ومرسوم خطي همايون 1856، وإعلان الدستور 1876، ومن ثمَّ تعطيل الدستور، ومن بعده العودة إليه، ولو ظاهرًا، منذ عام 1909. وكان لكل من هذه المحاولات أنصاره وخصومه ومعارضوه.

والجدير بالذكر أن أبناء المسيحيين من العرب، ممن درسوا في المعاهد والجامعات الأجنبية، كانوا أسبق من غيرهم إلى تفهم الفكر الغربي الحديث والاطلاع على مآتيه في مفاهيم الحرية والقومية والإخاء، والعدالة والمساواة، والمواطنية، والمشاركة في الحياة الوطنية، وبث الأفكار التي تدعو أبناء الوطن الواحد إلى الاتحاد، ونبذ التعصب في سبيل العيش المشترك، واعتبار الدين لله، والوطن للجميع. وما لبثت هذه الأفكار، مع نمو الثقافة، أن عمت المثقفين من أبناء العرب مسيحيين ومسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت