وهكذا نشأت أحزاب وجمعيات عربية في بلاد الشام والعراق كالنهضة العربية والمنتدى الأدبي والجمعية القحطانية والعلم الأخضر والعهد وجمعية بيروت الإصلاحية، وجمعية البصرة الإصلاحية، والنادي الوطني العلمي في بغداد، وجمعية العربية الفتاة، وحزب اللامركزية الإدارية العثمانية. ونتوقف قليلًا عند هاتين الحركتين الأخيرتين. ولقد كانت جمعية العربية الفتاة التي انبثقت عن جمعية النهضة العربية أهم تلك الجمعيات إذ قادت الاتجاه القومي العربي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى في دمشق وبلاد الشام، وقاد رجالها الحكم الوطني في عهد الملك فيصل وبعده خلال الانتداب الفرنسي تحت أسماء أخرى. وأما حزب اللامركزية الإدارية العثماني فلقد أسسه جماعة من سياسيي سورية المقيمين في مصر وبمعرفة الحكومة التركية في استانبول. وكان من مبادئه أن يكون هنالك لغتان رسميتان، التركية والعربية، وأن تُدار كل ولاية على أساس اللامركزية الإدارية ويتم التعليم باللغة الغالبة وقد شارك عدد من أعضاء هاتين الحركتين في المؤتمر العربي الأول الذي انعقد في باريس عام 1913 كما قدمت الحركتان عددًا من شهداء 6 أيار 1916 في بيروت ودمشق (19) .
وهكذا كان لدمشق فضل كبير في نشوء الفكر القومي العربي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولا يتسع المجال هنا للكلام عن مسيرة القومية العربية في هذا القرن وعن المؤامرات الأجنبية التي استهدفت تجزئة الأمة العربية وضرب أي تطلع نحو الوحدة وتحقيق حرية الإنسان العربي.
لقد أثبت تاريخ المشرق العربي بأن ما يسمى بالشرعية الدولية، لا تسعى أبدًا لمحاربة الظلم ولا تهتم مطلقًا بتحقيق العدالة والإنصاف، بل تستهدف النظام والاستقرار كي تظل الحدود التي رسمتها الدول العظمى للأقطار العربية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية غير قابلة للنقاش والتعديل ولتبقى خاضعة على الدوام للمتطلبات الاستراتيجية لهذه الدول.