فهرس الكتاب
يطوف العربي حول تلك الأركان وتطوف في سماء فكر ألوف من أسماء الفلاسفة والمفكرين والعلماء والشعراء والأدباء والفنانين والزجالين والمبرزين في كل ميدان. هؤلاء الذين كانوا فضلًا عن عبقرياتهم سببًا كبيرًا من أسباب وصول الحضارة العربية الإسلامية إلى أوربا وبزوغ شمسها عليها من المغرب بعد بزوغها من المشرق.
ولاشك أن الفيلسوف العربي أبا بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي الذي عاش في القرن السادس الهجري أو الثاني عشر الميلادي يأتي في طلائع أولئك المفكرين الفلاسفة. وإذا كان لمكان الولادة من أثر في اعتدال المزاج ورقته وصفاء الفكر فمن المناسب أن نذكر أن ابن طفيل ولد في وادي أش قريبًا من غرناطة. ويقال أش بفتح الهمزة والشين مخففة وربما مدت الهمزة وهي مدينة كثيرة المياه ينحط نهرها من جبل الثلج وهو شرقيها وهي على ضفته، كثيرة الفاكهة كالتوت والأعناب والزيتون وغيرها كما تنمو حولها أشجار الشاهبلوط، وقد يطلق وادي أش على المدينة وعلى ما يجاورها من غياض وبساتين. نهرها ماؤه النقي ألذّ على الظمأ من السلافة للنديم وحصاه لؤلؤ وفيروز ومرجان ترتاع الصبايا الغرائر عند تلمحها إذ يتوهمن أن عقودهن انفرطت فيتلمّسن نحورهن كما وصفت الشاعرة الأندلسية حمدة بنت زياد ذلك الوادي الوارف حين كانت تختلف إليه وقد تستحم في غدرانه هي ورفيقاتها. وذلك في الأبيات الرشيقة الرقيقة المنسوبة إليها والتي يحلو دائمًا ترديدها:
وقانا لفحة الرمضاء واد
نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنوّ المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالًا ... ألذ من المدامة للنديم
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
يصدُ الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم