فهرس الكتاب

الصفحة 12456 من 23694

وكان ذكر والده الشيخ أبي بكر، وما اتسم به من صلاح، وما ناله من مكانة، يتردد على أسماعه من شيوخه الذين هم أصدقاء أبيه أصلًا، وأخذت نفسه تمتلئ اعتزازًا بأبيه، وما عرفه عن صلته الوثيقة بالخليفة العباسي المستكفي بالله، أبي الربيع سليمان بن المتوكل (8) ، وأنه -أي والده- كان إمامًا للخليفة، وهو الذي كتب له نسخة العهد (9) ، وللخلفاء العباسيين في القاهرة مكانة جليلة في نفس السيوطي (10) ، فكانت مكانة والده التي ربما بالغ جلال الدين في تخيلها وتضخيمها وإسباغ الأهمية عليها هي القدوة المثلى للجلال، فاجتمع له بذلك من الاستعدادات الطبيعية والعناية التربوية والتسهيلات العلمية والاجتماعية والوظيفية مالا يجتمع لغيره إلا نادرًا، وهي كلها عوامل ولدت عنده رغبات جامحة إلى التفوق، ولم يكن أمامه من مجال إلا العلم، تدريسًا وتصنيفًا، لذلك رأيناه بعد أن حصّل أشياء من العلم، كحفظ بعض المتون الفقهية وما إليها، قد بدأ يجرّب قلمه في التأليف (11) ، واستوعبت هذه التجربة حياته كلها وهو يصنف ويكتب، بحيث يمكننا أن نعدد أسماء كتبه ونقول: هذه سيرة حياته، لذلك نراه عندما كتب سيرته الموجزة في (حسن المحاضرة) ، وسيرته المبسوطة في (التحدث بنعمة الله) يخصص الجزء الأكبر من السيرة لتعداد مؤلفاته، ويذكرها بتباهٍ وفخر، ويقول: هذا عدا ما غسلته ورجعت عنه. فالحياة عنده هي التصنيف في ضروب المعرفة التي أحاط بها خبرًا، كالتفسير والحديث والفقه والتاريخ والنحو والمعاني والبديع وما إليها مما يدور في فلكها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت