فهرس الكتاب
وفي الحقيقة بنى العرب هياكل علومهم الطبية عن الطب الإغريقي، فأخذوا كثيرًا عن جالينوس وجعلوه أستاذهم، وألموا ببعض الطب الفارسي والهندي لكنهم كيفوا الطب حسب حاجاتهم، وأضافوا إليه كثيرًا فأغنوه وتوسعوا به، واتبعوا طرقهم الخاصة، وأساليبهم العلمية الرصينة، وقاموا بالأبحاث، وتطبيقًا لأمانتهم العلمية نسبوا للإغريق كل ما ترجموه عنهم أو أخذوا منهم. وهم الذين أغنوا التراث الإغريقي وخلدوه، وقد نشروا علومهم وثقافاتهم التي كانت هي الأساس القوي للنهضة العلمية والحضارية في أوروبا، لكن علماء الغرب لم يكونوا مثلهم ملتزمين الأمانة العلمية فأنكر كثير منهم على العرب إنجازاتهم الطبية، بل لقد حاول كثيرون منهم التعتيم على الحضارة العربية الإسلامية، بعد أن غرفوا من روائعها ونهلوا من فضلها. حيث وجد الكثير من الكتب الهامة التي ترجمت إلى اللاتينية واللغات الأخرى لا تحمل اسم المؤلف الأصلي، وكان يحذف هذا الاسم من غير ذكر جنسيته أو دينه فكتب الجراح أبي القاسم الزهراوي المترجمة كانت تحمل اسم بال كازيز Bulcasis وكتب أبي بكر الرازي المترجمة كانت تحمل اسم ريزر Rizer لكن الأمناء والمنصفين من الكتاب الغربيين كانوا يتحرون الحقيقة ويقدمونها ويذكرون الأثر الكبير المضيء الذي تركه العرب في تقدم الطب والعلوم الأخرى.
قال المؤرخ الكبير جرمان من مونبلية:
"إننا نشهد للكتاب العرب الذين كتبوا في المواضيع العلمية بمزية الإيضاح التام، والطريقة التعليمية، لأن هؤلاء العرب الذين يرجعون إلى نتاج قديم من مدينة اليمن كانت فيهم قابلية عظيمة للثقافة العليا ولم يكن فيهم شيء من البربرية".
كما قال الأستاذ فورغ -الذي لمع اسمه في بداية القرن العشرين، لا في فرنسا فحسب بل في العالم كله- في خطاب تذكاري ألقاه في إحدى الجامعات الإسبانية: