فهرس الكتاب
كنت في مجلس الرشيد إذ دخل عليه غلام أمرد، له ذوابة، فسلم بالخلافة، فقال الرشيد. لا سلم الله على الآخر، أفسدت علينا الجبل، يا غلام! قال: فأنا أصلحه يا أمير المؤمنين، قال: وكيف تصلحه؟ قال: أفسدته، يا أمير المؤمنين، وأنت علي، وأعجز عن إصلاحه وأنت معي؟! فأمر الرشيد، فخلع عليه، وعقد له على الجبل؛ فلما خرج الغلام، قلت: من هذا؟ فقيل لي: هذا أبو دلف العجلي.
قال إبراهيم: فسمعت الرشيد، وقد ولى الغلام خارجًا من عنده يقول: إني أرى غلامًا يرمي من وراء حمة بعيدة.
أخبرنا أبو الحسن بن قبيس نا -وأبو منصور بن خَيْرون انبا -أبو بكر الخطيب (9) ، نا أحمد بن عمر بن روح، أنا المعافى بن زكريا، نا الحسين بن القاسم الكوكبي، نا أبو الفضل الرَّبَعي، عن أبيه قال:
قال المأمون يومًا، وهو مقطب، لأبي دلف: أنت الذي يقول فيك الشاعر: [من المنسرح] .
إنما الدنيا أبو دلف
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره؟!
فقال: يا أمير المؤمنين، شهادة زور، وقول غرور، وملق معتف، وطالب عرف. وأصدق منه ابن أخت لي حيث يقول: [من الطويل] . ... فلا الكرج الدنيا، ولا الناس قاسم
دعيني أجوب الأرض التمس الغنى
فضحك المأمون، وسكن غضبه. ... على البر كان البر أندى من البحر
قرأت بخط أبي الحسن رشأ بن نظيف، وأنبأ فيه أبو القاسم علي بن إبراهيم، وأبو الوحش سبيع بن المسلم عنه، أنا أبو الفتح إبراهيم بن علي بن سِيُبْخت، نا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، نا ثعلب، نا ابن الأعرابي، عن الأصمعي قال:
كنت واقفًا بين يدي المأمون إذ دخل عليه أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي، فنظر إليه المأمون شزرًا، وقال أنت الذي يقول فيك علي بن جبلة الشاعر: [من الطويل] .
له راحة لو أن معشار عشرها
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
ولو أن خلق الله في مسك (10) فارس ... وبارزه كان الخلي من العمر
أبا دلف بوركت في كل وجهة ... كما بوركت في شهرها ليلة القدر