فهرس الكتاب

الصفحة 12970 من 23694

والذي أرى أنه لا يمكن أن تكون الاستعارة التي هي أساس الصورة الشعرية عند د.مصطفى ناصف-إدراكًا أسطوريًا، فالأسطورة مصدر من مصادرها المتعددة، وتتوافر الاستعارة في القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: )والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ (( 9) ، كما أن القول بأن العلاقة بين الإنسان والطبيعة علاقة أسطورية يحمل في طياته مفهوم نظرية النشوء والتطور المنافية للمعتقدات الإسلامية، والعلاقة بين الإنسان والطبيعة علاقة متغيرة وإن كان أساسها الصراع والجدل لتسخيرها في خدمته. وأرى في الصلة الوثيقة بين الإنسان والطبيعة-في بعض جوانبها- نوعًا من فيض المشاعر على المخلوقات الطبيعية أو ما يسمى بالمشاركة الوجدانية، وهذه المشاركة بأنواعها تحمل دلالات مرجعية مختلفة، ففي هذه الأبيات التي بين أيدينا -تتجلى البدوات الحسية منذ البداية منذ انتقائه اسم"الجارية"ليعبر بها عن السفينة وفي تلاعبه اللفظي في"ركبت بها ظلامًا"ورمزه للبحر بالظلام ومن ثم تجسيد البحر وتصويره كامرأة لذلك يتوهم هدوء البحر ورقة مائه خصرًا دقيقًا، واعتلاء الموج وارتفاعه ردفًا ثقيلًا ولا يظهر في هذه الصورة سوى هذين الجزأين الحسيين من المرأة، وهما مطابقان تمامًا لذوق العرب القدماء ومقاييسهم في الجمال النسوي وهي صورة رائعة نادرة على ما فيها من حسية مفرطة، تشي بعقدة القمع الجنسي ويشي بذلك البيت الذي يليه إذ يقف الموت حائلًا دون الحصول عليها، فيصبح الموج قلبًا عاشقًا يخفق شوقًا إلى الشاعر وتصبح الرياح"أنفاس البحر"تنهدات تمد بصعوبة ومشقة، حزنًا وألمًا فيمتزج الحب بالموت بالبحر امتزاجًا نادر المثيل، وجذب البحر هو ما يسمى في الفلسفة الأوروبية أنموذج الولادة الثانية كما أطلقت عليه مكتشفته الآنسة مود بودكين. وما يلفت النظر ويشد الانتباه في هذه الأبيات الأربعة هو غزارة الصور ودقتها ومناسبتها الموضوع في آن ومن ثم تناميها لتشكل صورة كلية رائعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت