"إن هذه الملاءمة بين المعنى وموسيقا الشعر ومستوى المتلقي من خصوصيات الشعر العربي."
قيل لبشار بن برد: نسمعك في قولك:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
كأنك تثير النقع وتفاخر السماء.. ... تصب الخلَّ في الزيت
ونسمعك في قولك:
"ربابة ربة البيت"
لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت""
فنقول: أين هذا القول من ذاك؟! ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما""
فأجاب بشار:"لهذا مكان وهذا مكان.. وما قلته لجاريتي التي تجمع البيض هو عندها أحسن من"قفانبك عندكم"."
فالشعر في حياة العرب له ما ليس لأي شعر في حياة أي قوم أو أمة في العالم"."
فمن أين جاء هذا الامتياز للشعر العربي؟.
أول ما يتميز به الشعر العربي الموسيقى.
"إن الشاعر العربي موسيقي آلته قلبه وأوتاره لسانه وأنغامه حروفه، إنه يعزف على هذه الآلة الخاصة لأنه لا يجيد العزف على غيرها ولأنه يحس بقوتها السحرية الخاصة التي تفوق في وضوحها قوة السحر الكامنة في الآلات الموسيقية الأخرى" (2) .
إن اختيار الألفاظ الملائمة للمعنى له دور كبير؛ فالألفاظ العربية المترادفة ليست بمعنى واحد بل هناك دقة في استعمال كل منها. والجموع تتفاوت معانيها أيضًا بين قلة وكثرة.
يروى أن الخنساء أنشدت في سوق عكاظ قصيدتها الرائية التي رثت بها أخاها صخرًا فأعجب شعرها النابغة وقال لها: لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم. وكان ممن عرض شعره في هذا الموسم حسان بن ثابت فغضب وقال: أنا أشعر منك ومنها. ويروى أن النابغة التفت إلى الخنساء وقال:"خاطبيه يا خناس"فقالت له:"ما أجود بيت في قصيدتك هذه التي عرضتها؟"فقال:
"لنا الجفنات الغر يلعمن في الضحى"
فقالت: ضعّفت افتخارك وأنزرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا، قال: وكيف؟ قالت: قلت الجفنات وهي جمع قلة لما دون العشرة ولو قلت الجفان لكان أكثر وقلت:"الغر"والغرة بياض في الجبهة ولو قلت البيض لكان أكثر اتساعًا. ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا""