ومن هنا يفسر الاضطراب الذي وقع فيه المؤثلون اللغويون والتناقض في رد الكلمات الأعجمية إلى أصولها، وهو اضطراب لا يعدو أن يكون في بعض الأحيان اجتهادًا يمليه بعض التشابه في اللفظ بين الكلمة العربية وما يماثلها معنى ولفظًا من الكلمات الأخرى.. من ذلك مثلًا كلمة (دينار) فقد عرضت المؤلفة آراء اللغويين (ص 378) في أصلها اللغوي الذي اختلفت الآراء فيه، فذهب"الجواليقي"في"المعرب"إلى أن أصلها"دنار"، وهو إن كان معربًا فليس تعرف له العرب اسمًا غير الدينار فقد صار كالعربي. وورد ذكره في القرآن الكريم (ومنهم من إن تأمنه بدينار(.
وأيد"السيوطي"كونها معربة في كتابه"الإتقان". أما"الثعالبي"فرأى أن تجمع بين الصيغتين العربية والفارسية، وذهب"جفري"إلى أنها بهلوية"دينار"وهي العملة المتداولة في الدولة الساسانية. وثمة علاقة بين لفظها الفارسي والكلمة السنسكريتية التي تدل على العملة الذهبية، ويبدو أنه في البهلوية أخذت من اليونانية"دينارون"واليونانية اقتبستها من اللاتينية"ديناريوس". ونجدها في الأرمنية والآرامية والسريانية. ويرجح"فرانكل"أنها أخذت من الآرامية (السريانية) لأنها دخلت المنطقة العربية والشرق في فترة انتشار اللغة السريانية.
والجاحظ حين يدوّن بعض ما كان شائعًا من المفردات المتداولة في العصر العباسي، يقدم خدمة جليلة لتراثنا اللغوي، إنما يطلعنا على منحى التطور اللغوي الذي مرت به لغة الحياة، لا لغة المعجمات، خلال العصور منذ الجاهلية، مرورًا بصدر الإسلام وعهد بني أمية، تحت تأثير عوامل مختلفة، منها السياسي، والتجاري، والاجتماعي، والحضاري.