فهرس الكتاب
والأبيات كما نلاحظ لا إشارة فيها إلى الإغارة المذكورة، ولا تشي باعتراف بالجميل لأي سبب، وإنما تركز على فكرة الكرم عامة، والعبارة الوحيدة التي يمكن التوقف عندها لمعرفة خليفتها هي (المواهب للكرام) أو (التواهب في الكرام) في رواية ثانية، والأخيرة أكثر قربًا إذا صحت والتي ربما تتضمن إشارة خفية إلى ما لخالد من يد على عمرو. إلا أن الأخبار المتفرقة عن خالد بن سعيد تلمح بوضوح إلى أنه يتمتع ببطولة، وخصال لم تخرج عن روحها الجاهلية التي يتمتع بها عمرو أيضًا وهي كفيلة بأن يتبادل الرجلان الإعجاب، والصنيع. فقد ذُكر أن المسلمين كانوا (إذا اجتمعوا لحرب أقرّه الأمراء فيها، لبأسه، وكيده، ويمن نقيبته) وقد قاد معركة (دائن) قرب غزة وانتصر فيها على الروم قبل قدوم خالد بن الوليد (24) . ... رمحًا إذا نزلوا بمرج الصُّفَّرِ
ويبدو أن هناك تقاربًا في الطباع بينهما أيضًا. نلمح ذلك من إشارة عمر بن الخطاب- قبل أن يصبح خليفة- في نهايات حروب الردة، حين عقد أبو بكر ثلاثة ألوية لثلاثة رجال، هم: خالد بن سعيد بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص السهمي، ليوجههم إلى بلاد الشام، فلما عقد أبو بكر لخالد بن سعيد كره عمر بن الخطاب ذلك، وكلم أبا بكر في عزله، ووصفه بـ (إنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب) فعزله أبو بكر- مع أنه كان ثالث أو رابع من اعتنقوا الإسلام (25) - وسلم اللواء ليزيد بن أبي سفيان (26) مما يشير إلى اقتناع أبي بكر بما قاله عمر. وهذه الخصال التي ينتقدها عمر في شخصية خالد، ويؤيده أبو بكر في انتقادها هي مما يفتخر به عمرو بن معد يكرب، ولم تفارقه بعد إسلامه، كما أن خالد بن سعيد ظل متحليًا بها إلى آخر أيامه، وهو الذي كان يُنشد في اليوم الذي استشهد فيه:
من فارس كرهَ الطِّعانَ يُعيرُني