فهرس الكتاب

الصفحة 14067 من 23694

وظيفة الشعر في الجاهلية

تحدّثنا مصادر الأدب حديثًا لايكاد ينتهي عن وظائف الشعر في الجاهلية، وعن منزلة هذا الفن فيهم، وعظم أثره في حياتهم، وهي جميعًا وظائف تمثل المنحى الخلقي النفعيّ، وتصورّ الشعر نشاطًا حيويًا فعالًا، وطاقة خيرة مؤثرة، بل هو السلاح الاعلامي في هذا المجتمع البدائي:

-الشاعر يحامي عن القبيلة، ويدافع عنها بالقول المؤثّر النفاذ، فكأنه صحفي هذا الزمان، أو رجل الاعلام في مواقعه المختلفة، يمجّد القبيلة، ويدافع عن سياستها، ويشيد بمآثرها وأعمالها، ويصوّر قوتها، ويهاجم الخصوم المتطاولين عليها، مشكلًا بذلك جهاز ردع، يُرهب العدو، ويخيف الخصم.

قال أبو عمرو بن العلاء مصوّرًا فرط حاجة العرب إلى الشعر «الذي يقيّد عليهم مآثرهم، ويفخّم شأنهم، ويهوّل على عدوهم ومن غزاهم، ويهيّب من فرسانهم، ويخوِّف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب غيرهم..» (3)

وقال النهشلي في بيان هذا الدور الذي يؤديه الشعراء، وهو «ذبّهم عن الأحساب، وانتصارهم به على الأعداء...» (4)

وذكر ابن رشيق في العمدة نماذج من الشعر الذي قيل في الدفاع عن القبيلة، والانتصار لها من الخصوم تحت عنوان: «باب احتماء القبائل بشعرائها» (5)

والشاعر مسجّل للمفاخرة والمآثر، ومؤرِّخ للفضائل والأمجاد، والشعر عندئذ كالملحمة البطولية، يدوّن تاريخ القبيلة، ويتغنى بانتصاراتها، ويسجل الأحداث العظام لتكون معلمًا وهاديًا للأجيال القادمة، يتعلمون منها المجد والشرف، ويرضعون بها لبان النخوة والمروءة. قال ابن رشيق:"كان الكلام كلّه منثورًا، فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعرافها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأنجاد، وسمحائها الأجواد، لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدلّ أبناءها على حسن الشيم، فتوهّموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سمّوه شعرًا، لأنهم شعروا به، أي فطنوا.." (6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت