قال النهشلي:"وكان الشاعر في الجاهلية إذا نبغ في قبيلة ركبت العرب إليها فهنأتها به، لذبّهم عن الأحساب، وانتصارهم به على الأعداء. وكانت العرب لا تهنئ إلا بفرس منتج، أو مولود ولد، أو شاعر نبغ.." (10) .
وقال ابن رشيق: «كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان، لأنه حماية لأعراضهم، وذبّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، واشادة بذكرهم. وكانوا لايهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج... (11)
وتحدَّث النهشلي عن منزلة الشعر عند العرب، وبيّن سبب ذلك فقال:"كانت العرب لاتعدل بالشعر كلامًا، لما يفخّم من شأنهم، ويُنْهي من ذكرهم..» (12) ."
وبيّن أبو عمرو مكانة الشعراء عند العرب، فقال: «كانت الشعراء عند العرب في الجاهلية بمنزلة الأنبياء في الأمم..» (13) .
ولهذه المنزلة رفع الشعر ووضع، وخيفت ألسنة الشعراء وكان لهم أسنان وأقدار، تُقبل شفاعتهم، وتُكرم وفادتهم، وينُزل عند قضائهم (14) .
ومثلما كان جلال الدور الذي نهض به الشعر سببًا في سمو قدره، وتعظيم منزلة صاحبه، كان خروجه إلى أغراض سفيهة سببأ في انحدار مكانة الشاعر، وسقوط همته، وتقديم الخطيب عليه.
وذائع مستفيض في كتب التراث ماآلت إليه حال الشعراء من هوان بعد عزّ، وسُفل بعد علو.
قال أبو عمرو متحدثًا عن انحدار مكانة الشاعر بسبب بعض الأغراض الدنيئة التي خرج إليها: «كان الشاعر في الجاهلية يقدّم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم... فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة، ورحلوا إلى السُوقة، وتسرّعوا إلى أغراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر...» (15) .
إنّ امتهان وظيفة الشعر إذن، وتسخيره في أغراض دنيئة، كالتكسب، والاعتداء على الحرمات وغير ذلك، هما السبب في سُفُول أصحاب هذا الفن.