فهرس الكتاب

الصفحة 14405 من 23694

وعلى الرغم مّما يمكن أن نجده من سطوة هذا التضييق عند بعض اللغويين والنقاد فإن ذلك لا يعني أن كل النقاد أخذوا بمثل هذا التضييق أو ساروا في ركبه، ولذلك فلسنا نوافق مصطفى ناصف في تعميمه الجازم حين قال:"فالمخالفات النحوية اعتبرت على أيدي النقاد جميعًا هفوات، ذلك لأن الشعر ينبغي ألا يخرج على حدود المستوى الأول أو الصورة الوهمية السابقة، ومن أجل ذلك تعقبوا ما سمّوه سقطات المتنبي وسقطات الجاهليين" [22] ؛ لا نوافقه، لأنا سنرى وشيكا، إضافة إلى ما رأينا عند الخليل، أن عددًا من العلماء القدامى فهموا الضرورة على غير ما يوحي به اسمها؛ أي على أنّ استعمالها لايكون اضطرارا دائمًا وإنما هي تأتي في أحايين كثيرة على نحو اختياري حرّ مقصود في ذاته؛ فقد ورد التعريف بالضرورة على أنها"ما وقع في الشعر دون النثر، سواء كان للشاعر عنه مندوحة، أم لا" [23] ؛

أي أن الشاعر إذا وقع فيما يسمى بالضرورة وكانت له عنها مندوحة فهذا يعني أنه يقصد إليها قصدا، وأن له من ورائها غاية فنية أو غير فنية.

ويبدو للباحث أن ما جاء به ابن جني في أمر الضرورة كان ذا أهمية بالغة . وعلى الرغم مّما قد يبدو فيه من عدم اتساق، فإن خلاصة كلامه تؤدي به إلى أن يُسلَك ضمن هذا الاتجاه الذي يمثل التعريف الآنف أحسن تمثيل.

يرى ابن جني أن"الشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيرًا ما تُحرّف فيه الكلم عن أبنيته،وتحال فيه المثل عن أوضاع صيغها لأجله" [24] وهكذا فإن"عطية"تصير"عطاء"في قول الشاعر:

أبوك عطاء ألأم الناس كلهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت