فهرس الكتاب

الصفحة 14407 من 23694

ويذهب ابن جني إلى أبعد من ذلك حين يرى أن مرتكب الضرورة يرتكبها لا عن ضعف وعجز، وإنما عن قوة طبع وفيض، ويقول:"فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها، وانخراق الأصول بها، فاعلم أن ذلك على ما جَشِمه منه، وإن دل من وجه على جوره وتعسفه،فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله، وتخمطه [أي تكبره] ، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختيار الوجه الناطق بفصاحته، بل مَثَله في ذلك عندي مثل مُجري الجَمُوح بلا لجام، ووارد الحرب الضروس حاسرًا من غير احتشام. فهو وإن كان ملوما في عنفه وتهالكه، فإنه مشهود له بشجاعته، وفيض مُنَّتِه؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر في سلاحه، أو اعتصم بلجام جواده لكان أقرب إلى النجاة ، وأبعد عن المَلْحاة لكنه جشِم ما جشِمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله، إدلالا بقوة طبعه, ودلالة على شهامة نفسه" [27] وإذن فإنما شأن الشاعر في ارتكاب الضرورة اختيارًا شأنُ المغامر في ركوبه المخاطر، فهو، إذلا يبالي بالمخاطر، فلأنه يحصل على لذة مضاعفة تنسيه الخطر. ولعل اللذّة لم تأته إلا لأنه في مغامرته راد عالمًا مجهولًا، وحصّل تجربة جديدة ما كان ممكنًا بغير المغامرة تحصّلها.

وإذ يرى ابن جني أن الشاعر لم يرتكب الضرورة مضطرًا بل حرًا مختارًا، فإنه بعد قليل من كلامه ذاك يذكر أن انجلاء المعنى في ذهن الشاعر يجعله حين يقع فيها غير مدرك لها"فكأنه لأنسه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعبًا، ولا جشم إلا أَممًا، وافق بذلك قابلًا له، أو صادف غير آنسٍ به، إلا أنه هو قد استرسل واثقًا، وبنى الأمر على أنه ليس ملتبسًا" [28]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت