فهرس الكتاب
إن غالبية هذه القصائد التي ولدت من رحم جمالي، وعاطفي، تنشر لأول مرة بعد سبعة وسبعين عامًا على ولادتها، صدرت عن مؤسسة فيدير كو غارثيا لوركا في عام ألف وتسعمائة واربعة وتسعين، في ديوان ضخم يقع في خمسمائة واثنتين واربعين صفحة، حققه الباحث البلجيكي اللوركي كريستيان دي بيبي ، الذي قضى عشرين عامًا يدرس إنتاج الشاعر.
وهذا الديوان بالغ الأهمية، لأنه تعبير أول عن خطوات أولى في مسيرة أدبية طويلة، وتتكامل قصائده مع الدواوين اللاحقة، لتشكل حجر الأساس في الصرح اللوركي، وتكشف لنا عن ملامح البذار الأول، الذي يتكون بدفءٍ في تلك الأرض العجيبة، التي ستولد من رحمها كلمة شعرية ولا أحلى، توجه الأبصار نحو أعماق النفس البشرية، وهي ترسم ببراعة مدهشة أدق ارتعاشاتها، كما تشيد بقوة الحرية والكرامة والإنسانية، في مناهضتها للظلم الذي يلحق بالبشر أفرادًا وجماعات، وذلك دون ان ينتمي موقعها إلى أي حزب.
ان هذا الديوان بالغ الأهمية يقربنا من مرحلة واحدة أخيرة من الأنا الشفافة، العارية الا من حزنها وتعبها، فنتطلع إليها بتأثر، تملأ القصيدة كلها بين حين أخر، أو تترجم كآبتها بسرية وإيحائية مدهشتين، لتزيح عن صدرها ثقل غربتها العميقة. نحن نقترب من خلال قصائد عديدة وجدانية، من حميمة فيديركو غارثيا لوركا، لنعيش قربه لحظات مؤثرة، لم نكن نحلم بها، ولم تخطر لنا على بال، ونحن نقرأ قصائد دواوين لاحقة، نتخيل وجوده السري في عالمها، كشاعر عظيم، شاهد على الظلم والقهر اللاحقين بالإنسان الفرد، وبالجماعات البشرية، وكشاعر عظيم معترض على رفض الآخر، وغياب الحب من الدنيا، وعلى انهيار القيم الإنسانية الكبرى في عوالم صغيرة ضيقة، وفي عالم شاسع حدوده الخريطة، ومحوره حي البيازين المسلم الغرناطي، وأحياء البؤس والفقر والاستغلال والوحل والطين.