من المعلوم أن الشيخ الرئيس ابن سينا ولد في الثلث الأخير من القرن الرابع للهجرة وكانت أمهات كتب العلم اليونانية ومنها كتب المنطق والهيئة والهندسة وغيرها من الرياضيات في ذلك العصر من الكتب المترجمة إلى العربية المبثوثة في أقطار العالمين، وكانت النهضة العلمية قد آتت ثمراتها بالانتقال من الترجمة إلى التأليف، ومن الدراسة إلى التصنيف ومن الاستيعاب إلى الاختصار وأحيانًا من الاختصار إلى الشرح والبيان، فألفت كتب في الفلسفة وآلتها التي هي علم المنطق، وفي علم الهيئة والطب والموسيقى والطبيعيات والحيوان والنبات، واستذاقت الخاصة طعم العلوم العقلية واستفادوا منها في تثقيف العقول وتحرير البحوث والتحرر في السلوك إلى الحق والخير اللذين هما قوام الفلسفة، ولم يمنع من انتشار تلك العلوم غلاء كتبها فقد كانت النسخة المجلدة الكاملة من كتاب المجسطي في الهيئة لبطليموس ا لقلوذي تباع بعشرين دينارًا (1) وكان ذوو النفوس الشريفة القادرون للعلوم حق قدرها يشعرون بصعوبة طلبها على الناس بسبب غلاء الكتب فأسسوا دورًا للعلم والحكمة، وقفوها على الطلاب ورادة المعرفة كدار العلم لأبي القاسم جعفر بن حمدان الموصلي العالم الرياضي الفقيه الشافعي المتوفى سنة 323هـ (2) . ومثل دار علم أنشأها بالبصرة رجل سكت التاريخ عن ذكر اسمه ونطق بكريم فعله، ولما شاهدها ملك الملوك (عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة البويهي) قال:"هذه مكرمة سبقنا إليها" (3) .