ولكن الموقف المتعالي نفسه أو المنحاز حال دون اكتشاف ما كان يجري في ذلك العصر. ويأخذنا العجب حين نقارن بين موقف مجموعتين من الأدباء قديمًا وحديثًا في رصد مثل هذه الظواهر الشعبية فلقد كان الجاحظ وبديع الزمان والحريري والثعالبي والتوحيدي أكثر معاصرة من بعض أدبائنا المحدثين و أوسع أفقًا وأعمق رؤية في عنايتهم بتيارات عصرهم. وبذلك عبرّوا عن نزعة شعبية وواقعية باهتمامهم بأدب الفئات الدنيا أو برصدهم للظواهر المنبوذة وهذا ما نلمسه في مؤلفاتهم التي تعد مصادر لا غنى عنها لكل باحث وأديب.
وأين هذا الموقف من مواقف كثير من الباحثين المعاصرين ومؤرخي الأدب الذين ظلوا بعيدين عن تيارات أدب القصاص، والشطار والطفيليين والحمقى والمغفلين وسائر فئات الشحاذين والمتسولين المكدين، والمفلوكين.
ويأخذنا العجب أكثر من تلك الدراسات التي لم تعد تضيف جديدًا، وهي تجتر الآراء المعادة، والأفكار المطروقة في الوقت الذي لا نصادف فيه دراسة جادة تلم بملامح الوجه الآخر للأدب والحياة، الوجه المعبر عن التشرد والاغتراب والمسكون بهواجس القلق ونوازع الاعتراض.
هذا الأدب الذي أقصد هو أدب الفئات الهامشية أو المهمشة وهو أدب من طراز يخالف ما هو سائد، أدب له سماته وخصائصه ومضمونه المعبر عن حياة البسطاء المهمشين، وأحاسيس المعدمين المنبوذين، وأصواتهم الساخطة المتذمرة، ومواقفهم الناقدة الرافضة.
ومعلوم لدينا أن ظاهرة التهميش تنشأ إثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتنمو في أطراف المدن. وهي ظاهرة قديمة وجديدة لا يمكن تجاهل وجودها في تكوين المجتمعات.