لقد تعددت الدلالات التي وضعها الدارسون المعاصرون لمصطلح"التراث"وتباينت تعريفاتهم بحسب توجهاتهم. غير أنهم لم يقوِّمُوا تحديدًا شاملًا لمصطلح"التراث"، وكل منهم أغفل جانبًا من الجوانب بحسب فهمه الذكي للمسألة والغاية التي كتب من أجلها. وهذا يعني خللًا أساسيًا في تحديد دلالة هذا المفهوم أو ينطوي على تعسف يتجلى في إحلال جزء من التراث محل كل التراث. وقد أشار إلى هذا الخلل الدكتور جابر عصفور في كتابه"قراءة التراث النقدي". فنبه على أن:"التراث ليس مجموعة من الجزر المعرفية المنفصلة، التي لا يلتقي فيها النقد الأدبي والفلسفة، أو الفلسفة والتفسير". كما اتسمت الدراسات التراثية في الأغلب الأعم باتكائها الشديد على الثقافة المكتبية الرسمية فتحول التراث فيها إلى تراث طلابي، كما خلت الدراسات التراثية أو كادت، من البحث في أشكال التراث غير الكلامية كالعمارة والرسم والزخرفة، وأنماط الحياة وأداوت العمل، كما تجاهلت أشكال التراث الشعبي التي توارثتها الأجيال العربية الإسلامية، كما ساد تصوير يجعل نقطة البداية للحضارة العربية"العصر الجاهلي"وهذا يحرم الثقافة العربية من تاريخها الطويل ويقطعها عن أصولها التي تمتد إلى المصريين القدماء والفينيقيين واليمنيين
كما بالغت هذه الدراسات في إبراز الجانب الديني في الحضارة العربية الإسلامية مما أدى إلى غياب التراث قبل الإسلامي عنها وتشويه صورة الإنجازات المدنية"الدنيوية"في تلك الحضارة.