فهرس الكتاب

الصفحة 15553 من 23694

يبدو أن مادفع ابن رشد إلى اتخاذ هذا الموقف إنما هو قناعته بأن الشرائع لا تفي بذاتها المطلوب. فهو لم يصرح مطلقًا بأن الأصول الشرعية صحيحة بذاتها. شأنها شأن سائر المعارف اليقينة (البرهانية) ، بل إن صحتها منوطة بصحة الفضائل الخلقية التي ترتكز إليها، شأنها في ذلك شأن المعارف الشرطية (7) .

على أن ذلك لا يجب أن يعني أن ابن رشد كان يقصد التشكيك بصحة الشرائع، وإنما الذي عناه هو أنها جاءت لتقول للناس من غير الراسخين في العلم ماهم متهيئون لفهمه ومعرفته؛ وهو الذي يتعلق بتدبير حياتهم، ومايفيدهم في بلوغ سعادتهم؛ وهو الفضائل الخلقية.

يقول ابن رشد:"إن الشرائع... تنحو نحو تدبير الناس الذي به وجود الإنسان بما هو إنسان، وبلوغه سعادته الخاصة به،وذلك أنها ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان، والفضائل النظرية والصنائع العملية... إن الإنسان لا حياة له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية، ولا حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية، وإنه ولا واحد من هذين يتم ولا يبلغ إليه إلا بالفضائل الخلقية، وإن الفضائل الخلقية لا تُتمّكن إلا بمعرفة الله تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة لهم في ملة ملة مثل القرابين والصلوات والأدعية." (8)

أما مايتعلق بالفضائل النظرية فتلك مهمة أخرى يضطلع بأمر البحث فيها والكشف عنها الراسخون في العلم بالاعتماد على الطريق العقلي الذي هو طريق البرهان، الذي هو العلم بالتأويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت