فهرس الكتاب

الصفحة 15825 من 23694

ولعل الرافعي هو الأوّل والأعظم من بين مؤرخي الأدب الأندلسي في تمييز نسيج الشعر الأندلسي من سواه من نسج أشعار الأقطار العربية بفراسته الشعرية الدقيقة بل يرد على من لا يفرق بينهما ويتهمه بالجهل والسطحية والاهتمام بالقشور وترك اللبوب، يقول:"لقد يخطئ من يزعم أن شعر الأندلسيين يغيب في سواد (4) غيره من شعر الأقاليم الأخرى كالعراق والشام والحجاز بحيث يشتبه النسيج وتلتحم الديباجة وذلك زعم من لا يعرف الشعر إلا بأوزانه ولا يميز غير ظاهره" (5) .

من ثم يشخص خصائص الشعر الأندلسي وسماته ومزاياه بمسبر ثاقب فيكون الخيال في رأس قائمة هذه المزايا، وكذلك المعاني المبتكرة والموسيقى الساحرة ويذكر أهم بواعثها من حضارة جديدة وطبيعة خلابة، ويورد أهم أدواتها وهي إحكام التشبيه وبراعة الوصف بوصفهما جوهر الشعر، يقول:"يمتاز شعر فحول الأندلس بتجسيم الخيال النحيف وإحاطته بالمعاني المبتكرة التي توحي بها الحضارة، والتصرف في أرق فنون القول واختيار الألفاظ التي تكون مادة لتصوير الطبيعة وإبداعها في جمل وعبارات تخرج بطبيعتها كأنها التوقيعَ الموسيقي.. ومن أجل ذلك أحكموا التشبيه وبرعوا في الوصف لأنهما عنصران لازمان في تركيب هذه الفلسفة الروحية التي هي الشعر الطبيعي" (6) .

يختلف هذا القول كثيرًا عن أقوال بعض المستشرقين في تعليل اهتمام الشعراء الأندلسيين بالخيال فبينما جعلوا من روعة الخيال كّلاًّ على الشعر وثقلًا على صدره، وغلظة تذهب رونق الشعر إذ بالأستاذ الرافعي يجعل ذلك شيئًا لازمًا لازبًا ضروريًا في مكونات الشعر الحقيقي وفي الفلسفة الشعرية الروحية للأندلسيين. وقد تفرد الأستاذ الرافعي بوصف الخيال الشعري الأندلسي بالنحافة قاصدًا امتزاج الخيال بالرقة مضيفًا إليه التجسيم أي كثرة اهتمام الشعراء الأندلسيين بتشخيص الجمادات وأشباهها وتجسيدها؛ كل ذلك بوحي من الحضارة الجديدة الغنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت