فهرب المصوبن بلا وعي إلى السوق، فناداه الحمصاني -بائع الحمص والفول- مستفسرًا عن سبب ذعره وركضه في السوق، في ذلك الوقت شبه عارٍ، حافي القدمين! ولما قص عليه خبر الزبون والمعلم، قال له الحمصاني: أليست كهذه؟! ومدّ له يدًا انتصبت أمامه عدة أمتار كسابقاتها، فهرب إلى داره، ففتحت له زوجه الباب فقص عليها ماحدث. وهنا أيضًا مدّت يدًا مشابهة، فهرب من الحي كله (1) .
الليل موطن السحر والمحجوبات
لسنا هنا بالطبع في معرض تحليل الحكاية وتفسيرها وإلقاء الضوء على المبالغات التي ميّزتها، وكانت مغرقة إلى درجة بعيدة. ذاك أننا نريد وحسب أن نشير إلى الجو الهادئ الساكن الذي سمح للخيال الشعبي أن يشطح هذه الشطحات العجيبة... وهو الليل... الساجي، الغارق في ظلامه وخفائه وأسراره.
إن هذا الليل الغامض السحري، ارتبط منذ فجر تكون الوعي البشري بالأساطير والخرافات. وهكذا فإن الليل لايبدو نقيضًا للنهار، بل هو حاضن للأوهام والتخيلات الموقوفة في داخلنا"وليس من المصادفة، أن تكون الخليقة في جميع الديانات والأساطير مخبوءة في الظلام الدامس أو السديم الأول" (2) .
والليل أيضًا موطن المحجوبات التي لا تظهر كافة إلا في العتمة: الأشباح، والجن، والأرواح، والأنبياء، والأولياء، وأصحاب الكرامات. هؤلاء الذين لا يظهرون إلا في سواد الليل، أو في جنبات مشابهة من النهار كالمغارات والكهوف والدهاليز وكوارات البيوت. (3) .
والليل الساحر هو مجال حكايات العشق بين الإنس والجن، حيث تزول حدود الأمكنة والحوادث، فيبدو العالم موصولًا بذاكرة ومخيلة غيرمحدودتين. (4) .
الليل عند العشاق
والليل هو وعاء أسرار العشاق. ومامن عاشق أو مغامر، لم يُفِضْ في وصف ليله، وخاصة الشعراء.
يقول امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
فقلتُ له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح، وما الإصباح منك بأمثل