فهرس الكتاب

الصفحة 16099 من 23694

وإذا أردت أن أعطي مثالًا واحدًا فإنني أختار حكاية (الدورة الدموية الصغرى) التي ثبت أن العرب هم أول من وضعها إذ قام ابن النفيس، بمعارضته ابن سينا وجالينوس، وبيّن خطأ تصوّرهما القديم لهذه الدورة الرئوية، وأوضح حقيقة هذه الدورة تشريحيًا ووظيفيًا. وعلى الرغم من وضوح هذه المسألة، فإن كتب تاريخ الطب الغربية ما تزال تعزو اكتشاف الدورة الدموية الصغرى لعلماء غربيين جاءوا بعد ابن النفيس بثلاثة قرون على الأقل، فكيف نفسر ذلك؟

وسنسعى في هذه العجالة إلى تبيان حقيقة التطور الذي خضعت له الممارسة الطبيّة في بلادنا منذ فجر المدنيات الأوّل. وكيف كان حال هذه الممارسة قبيل الفتح الإسلامي، أي قبيل توحيد أقطار المشرق العربي مع شمال افريقيا.

والسبب في حرصنا على تبيان هذا الأمر هو ما يرد في كتب تاريخ الطبّ الغربية من أن العرب تعرفوا الطب اليوناني بعد الإسلام، وتحديدًا بعد عصر الترجمة الذي وصل إلى مستوى مرموق أيّام المأمون، وبلغ ذروته في عصر المتوكل.

وهذه المسألة التي تبدو قليلة الأهمية للوهلة الأولى هي في حقيقتها مسألة خطيرة، لأنها تنكر أساسًا وجود علاقات بين عرب الجزيرة قبل الإسلام وبين سكان بلاد الشام ومصر والعراق. كما تغضّ الطرف عن وجودٍ عربي متميّز في خارج حدود الجزيرة، نعني بذلك وجود بعض القبائل العربية الكبرى في العراق والشام، مثل قبيلة (ربيعة) التي وصلت إلى شمال بلاد الرافدين.

وفوق ذلك فإنها لا ترى أية علاقة بين عرب الجزيرة وبين الدويلات العربية التي قامت في الشام والعراق، ولا نعني هنا بهذه الدويلات إمارة غسان ولا دولة المناذرة، بل نقصد الدويلات الأقدم كدولة الأنباط ودولة التدمريين.

إن كاتب التاريخ لا يجوز له أن يتجاهل الحقائق، وأن يفسّر الأمور كما يريد سياسيًا أو أيديولوجيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت