فهرس الكتاب
هذا والذي نراه أن ابن سينا بعد اطلاعه الواسع على فلسفة اليونان ولاسيما فلسفة المشائين وتعصبه لها وإفاضته فيها شعر بما يتخللها من هنوات ويداخلها من هفوات فحاول أن يتلافى ذلك أو يتجاوزه ويتغافل عنه. وكأنه يعتذر من تغافله السالف. وقد أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه"منطق المشرقيين قائلًا:"وبعد فقد نزعت الهمة بنا إلى أن نجمع كلامًا فيما اختلف أهل البحث فيه لا نلتفت فيه لَفْتَ عصبية أو هوى أو عادة أو ألف ولا نبالي من مفارقة تظهر منا لما ألفه متعلمو اليونان الفًا عن غفلة وقلة فيهم ولمَّا سَمِعَ منا في كتب ألفناها للعاميين من المتفلسفة المشغوفين بالمشائين الظانين أن الله لم يهد إلا إياهم ولم يُنل رحمته سواهم، مع اعتراف منا بفضل أفضل سلفهم (يعني أرسطو) في تنبهه لما نام عنه ذووه وأستاذوه وفي تمييزه أقسام العلوم بعضها عن بعض وفي ترتيبه العلوم خيرًا مما رتبوه وفي إدراكه الحق في كثير من الأشياء...."، ثم يقول:"ولما كان المشتغلون بالعلم شديدي الاعتزاء إلى المشائين من اليونان كرهنا شق العصا ومخالفة الجمهور فانحزنا إليهم وتعصبنا للمشائين إذ كانوا أولى فرقهم بالتعصب لهم وأكملنا ما أرادوه وقصروا فيه ولم يبلغوا منه وأغضينا عمّا تخبطوا فيه وجعلنا له وجهًا ومخرجًا ونحن بدخلته شاعرون وعلى ظله واقفون. فإن جاهرنا بمخالفتهم ففي الشيء الذي لم يكن الصبر عليه. وأما الكثير فقد غطيناه بأغطية التغافل."."
وإذا كنا قد مهدنا لتلك المناظرة هذا التمهيد الذي تطاول بعض الشيء فلكي نحفز إلى مطالعة النص نفسه لأن في المطالعة ممارسة لتفهم النصوص القديمة وتعرَّفًا لأساليب تفكير القدماء وإيراد حججهم وجلاء لبعض النقاط في تاريخ العلم الزاخر الواسع علمًا منا أن التعابير قد تغير بعضها والاعتبارات قد تبدل جلها، على أن الحديث منها مرتبط ارتباطًا جدليًا بالقديم والطريف متصل اتصالًا منهجيًا بالتليد.
الحواشي: