لا يكتفي المؤلف بتبيان سمات الشعر الأندلسي التي قد يشركه فيها شطر من الشعر العربي، فليست الرقة والخيال البديع والموسيقى العذبة مقصورة على الشعر الأندلسي، لذلك يدقق في الفوارق الجزئية من دون حماسة جارفة أو ميل إلى الشعر الأندلسي بل على العكس من ذلك إذ يحاول تلمس الموضوعية وإن لم يخل أسلوبه في التعبير من الإنشائية وأحكامه من الرومانسية الحالمة، يقول:"وقد يشاركهم في كثير من ذلك شعراء الشام، ولكنّ رقة هؤلاء عربية مصفاة وبذلك امتازوا على عرب الحجاز والعراق فهم لا يهولون بالألفاظ المقعقعة ولا يغالون في فخامة التركيب ولكن لا يستقبلك في شعرهم ما يستقبلك في شعر الأندلسيين من الشعور الروحي الذي لا سبيل إلى تصويره بالألفاظ والذين تتبين معه أن الفرق بين الخيالين كأنه الفرق بين البلادين في التبعية والاستقلال، وليس يدل على ما قدمناه على أن شعر فحول الأندلسيين ممتاز على إطلاقه وأن غيره لا يمتاز عليه بل الأمر في ذلك كالجمال: كل أنواعه حسن رائع ولكن النحافة اللينة منه تستدعي-مع الإعجاب- رقة؛ هي بعينها التي يجدها من يتدبر ذلك الشعر" (6) .
إن أحكام الأستاذ الرافعي لا تخرج عن الانطباع الذاتي الصادر عن فراسة صيرفي خبير وهي-على أهميتها- لم تسلك الأسلوب المنهجي في البحث والاستنتاج والتقويم، لذلك كانت نتائجها تهوّم في الخيال وتستعصي على التعبير فقارئ الشعر الأندلسي يشعر بشعور روحي كالعشق لا يوصف و"لاسبيل إلى تصويره بالألفاظ"، ومن ثم فالشعر الأندلسي ضرب من الجمال -وليس الملاحة- يتصف بالنحافة، وهذه النحافة ليست سقمًا وعظامًا ناتئة بل رشاقة وبضاضة وليونة محببة لا يقتصر رائيها على الإعجاب بها؛ بل يخالطه رقة وحنين إلى الفردوس المفقود.