المسألة التراثية هي هاجس إذًا، وهي هاجس إنساني لايهم فقط الأمة صاحبة التراث بل يهم الإنسان عمومًا الذي يعيش ثمار تراكمية المعارف في التراث الإنساني بحضارته المتعاقبة المختلفة. وتراثنا العربي هو جزء من أهم أجزاء هذا التراث الإنساني. لذلك تعرض هذا التراث للسرقة على عدة أصعدة. فقد ترجمت بعض مؤلفاته لينتحل مترجموها صفة المؤلفين، كما مارس الاستشراق صنوفًا عديدة من السلب الثقافي لهذا التراث. أما السرقة المباشرة فمثالها ما أورده محمد كرد علي في كتابه"خطط الشام"إذ يقول: من المصائب التي أصيبت بها كتب الشام، أن بعض دول أوروبا ومنها فرنسا وبريطانيا وهولندا وروسيا، أخذت تجمع منذ القرن السابع عشر كتبًا من تراثنا تبتاعها من الشام بواسطة وكلائها وقناصلها والأساقفة والمبشرين من رجال الدين. وكان قومنا ولاسيما من اتسموا بشعار الدين ومن كان يرجع إليهم أمر المدارس والجوامع، بلغ بهم الجهل والزهد في الفضائل أن يفضلوا درهمًا على أنفس كتاب. فخانوا الأمانة واستحلوا بيع ماتحت أيديهم أو سرقة ماعند غيرهم والتصرف به وكأنه ملكهم. وحدثني الثقة أن أحد سماسرة الكتب في القرن الماضي كان يغشى منازل بعض أرباب العمائم في دمشق ويختلف إلى متولي خزائن الكتب في المدارس والجوامع فيبتاع منها ماطاب له من الكتب المخطوطة بأثمان زهيدة. وبقي هذا سنين يبتاع الأسفار المخطوطة من أطراف الشام، ثم"رحل بها إلى بلاده فأخذتها حكومته وكافأته عليها".
بهذه الطرق وبغيرها انتقلت مخطوطاتنا التراثية إلى المكتبات الأجنبية. ثم تلت ذلك المشاريع الاستشراقية بتكاليفها المادية الهائلة. حتى بلغ الإنفاق الأجنبي على تراثنا مالن نتمكن يومًا من الوصول لإنفاقٍ موازٍ له. الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن هذا الاهتمام الأجنبي ومقارنته ببعض المواقف العربية السلبية من هذا التراث؟.