أما أبو إسحاق الحُصْري فيقول في كتابه (زهر الآداب) [1] :"وكان البحتري أكثر الناس إبداعًا في الخيال، حتى صار لاشتهاره مثلًا يقال له: خيال البحتري".
ويحاول الشريف المرتضى أن يفسر سبب تولع البحتري وغيره من الشعراء بوصف طيف الخيال، فيقول [2] :
"إنه يعلل المشتاق المغرم، ويمسك رمق المعنَّى المسقم. ويكون الاستمتاع به والانتفاع به، وهو زور باطل، كالانتفاع به لو كان حقًا يقينًا، وهل فرق بين لذة الخيال في حال تمثلها وتخيلها وبين لذة اللقاء الصحيح والوصال الصريح.. وهو زيارة من غير وعد يُخشى مَطْلُه، ويُخاف ليُّه وفوته... وهو لقاء واجتماع لا يشعر الرقباء بهما، ولا يخشى منع منهما ولا اطلاع عليهما، والتهمة بهما زائلة، والريبة عنهما عادلة... وهو تمتع وتلذذ لا يتعلق بهما تحريم، ولا يدنو إليهما تأثيم".
ولما كان إقبال البحتري على وصف الخيال وتعلُّقُه به على هذا النحو الذي تنبه إليه المتقدمون والمتأخرون، فإن الملاحظ أنه لم تقنعه الوقفة العابرة أو اللمحة العارضة يلم بها بذكر الطيف وتجلِّيه، كما فعل سابقوه من الشعراء أو أستاذه أبو تمام، وإنما اخذ يسترسل في وصف حالاته، ويمعن في تصوير أثره، ويستفيض في توليد المعاني الشعرية وتفتيقها، بأسلوبه الآسر وإيقاعه الساحر، حتى حظي هذا الموضوع في بعض قصائده بثمانية أبيات متوالية، وفي بعضها الآخر بأقل من ذلك.
وأول ما يطالعنا في وصف الطيف عند البحتري أنه يعجب من اهتداء هذا الطيف إلى مكان الشاعر، ووصوله إليه، على الرغم من بعد المسافة، وتكاثف الظلمة، ووعورة الطريق، فها هو ذا يخاطب خيال علوة فيقول [3] :
أخيالَ علوة كيف زرت وعندنا
طيف ألم بنا ونحن بمهمه ... قفر يشق على الملم الخاطر
(1) - زهر الآداب: ص 701.
(2) - طيف الخيال: ص 14.
(3) - الديوان: 2/1016.