إن التجمعات الرعوية والزراعية أو بالأحرى الزراعية - الرعوية لم تكن، في حدود ما نعرف حتى الآن، قد وصلت إلى مرحلة الكتاب. ولكنها تركت في أطراف الجزيرة على الصخور والجروف رسومًا ووسومًا، لا تعرف تاريخها، هي بمثابة شبه كتابه إذ أنها لا تجسد أو تجم منطوق لفظ معين وه يرموز تدرك معناها جماعات محدودة. ولا علاقة لها بالكتابة في مفهومها الصحيح.
ونود أيضًا في هذا التمهيد أن نشير إلى أننا آثرنا أكثر الأحيان استعمال كلمة"كتابة"بدلًا من كلمة"خط"التي يكثر استخدامها في المؤلفات بمعنى الكتابة. لأننا نعتقد أن الكتابة هي الأصل والخط هو الفرع. وكل كتابة لها خطوط مختلفة. فهناك الخط اليابس (أي خط النقش) والخط اللين ذو الطابع الشخصي، وتتبعه مخربشات ومحورات. وفي الكتابة العربية ومقتبساتها الواسعة الانتشار، عشرات من الخطوط لها مناسبات واستعمالات محددة، لسنا في صدد بحثها هنا فنحن نعالج نشأة الكتابة العربية تاركين تطور خطوط هذه الكتابة للعاملين في ذلك المجال.
وثمة ملاحظة أخيرة نود أن نسوقها في هذه المقدمة لنؤكد غرابتها، وهي مسألة تتردد في كتب التراث ولا يتردد في إيرادها بعضهم وهي نسبة الكتابة إلى آدم أو نوح وإلى إدريس وإسماعيل وإلى أسماء ما أنزل الله بها من سلطان (1) فالكتابة القديمة في اعتقادنا، ليست إبداع شخصٍ حقيقي أو أسطوري واحد، وفي زمن واحد، فهي في كل الأحوال عمل متدرج متصاعد متطور خلال أجيال. وحتى إذا صاغها أحد في شكلها النهائي، أو طور بعض حروفها أو نقلها إلى بلاد أخرى فهي تبقى جهدًا مشتركًا (2) .
أقدم الكتابات العربية: