ففي البداية كان التصوف سلوكًا، ثم تحول إلى فكر وسلوك وبدا موازيًا للإسلام التقليدي، ينادي بمبادئه أحيانًا وينافيها أحيانًا أخرى لقد أطلق بعض المتصوفة على أنفسهم (أهل الحقيقة) ، وأول ما يجب على سالك طريق التصوف، أو المريد أن يتمتع بالإيمان بالله ثم بالطاعة المطلقة له، ثم بالإخلاص فيما يقوم به، فيبدأ بمجاهدة النفس والرياضة الروحية التي تمكنه من السيطرة على نفسه وكبح جماحها وإضعاف الحس لديه لأنه كلما ضعف الحس ازدادت أحوال الروح قوةً واتقادًا.
ويعرّف د.حيدر التصوف فيقول:"التصوف يعني العكوف على العبادة والانقطاع لله، والإعراض عن الدنيا والزهد بملذاتها".
ولقد انقسم الأئمة والفقهاء في موقفهم من التصوف والمتصوفين، فقد انتقد أحمد بن حنبل التصوف واتهم أتباعه بتفضيل التأمل على العبادات، وبأنهم طمعوا بحلول الذات الإلهية فيهم ليتخلصوا من واجباتهم الدينية.
أما الإمام الأشعري الغزالي (ت 505هـ) ، فقد دعا إلى قبول التصوف في الإسلام، إذ رأى هذا الإمام أن المعرفة تتم بثلاث طرق: (النقل والعقل والكشف) ، فالنقل يعلّم المرء الشريعة والأخبار والعلوم، والعقل يعينه على تحصيل العلوم والخبرات، ويهديه للإيمان بالله، أما الكشف فهو إلهام أو نور يقذفه الله في قلوب عباده الأخيار.
وعلى الصعيد الفكري فقد بدأ التصوف سلوكًا وعبادة ثم تحوّل إلى علم، كتب فيه أصحاب الطريق كما كتب الفقهاء في الفقه وعلوم الدين، بدأ ذلك بأن كتب بعضهم في الورع ومحاسبة النفس كما فعل القشيري في كتابه"الرسالة"والسهروردي في كتاب"عوارف المعارف"وكذلك فعل أبو طالب المكي في كتابه"قوت القلوب"، وجمع الغزالي بين الورع ومحاسبة النفس، وبين آداب القوم وسننهم واصطلاحاتهم في كتابه"إحياء علوم الدين"فصار التصوف علمًا مدونًا بعد أن كان سلوكًا وطريقة في العبادة.