وهذه المفاهيم، كان قد تكون منها أو مثيلات لها عند البنائين المصريين، وإلا لما استطاعوا (من دون هذه الخبرة) بناء هذا الصرح الحضاري العظيم. وكذلك عند البابليين واستفاد منها اليونانيون، كما تكوَّنت مثيلات لها عند المسلمين وربما استفاد منها الأوروبيون.
وكان السبب في اهتمام أصحاب الأموال بالصناعة هو اكتشاف أسواق جديدة في الشرق فكانوا بحاجة إلى تطوير صناعتهم، لذلك بدؤوا بالانتقال البطيء غير الواضح من النظام الإقطاعي إلى النظام البرجوازي، فقد كان بينهم من يولي هذه المشاريع أهمية كبيرة لصلتها بتجارتهم وموارد ثروتهم.
وكانت الفئة المتنورة الأولى مكوّنة من الكهنة الذين لديهم اطلاع على علوم الأولين وأعمال المسلمين. وكان من هؤلاء الكهنة الفرنسسكاني روجر بيكون، فقد دعا إلى العلوم التجريبية في القرن الثالث عشر، كما حاول تعليم البصريات في الجامعة (وربما كان لديه بعض الاطلاع على أعمال ابن الهيثم) . ولكن الكنيسة منعته وألزمته بتدريس العلوم المهمة للكنيسة (اللاهوت والخطابة والموسيقا وبعض مبادئ الحساب) ، ولم يستمر هذا الأمر إلى الأبد. ففي القرن الرابع عشر بدأ تدريس العلوم في الجامعة وأخذت بعض مفاهيم العلم تصبح أكثر وضوحًا، وأخص منها مفهوم السرعة، وربما مفهوم التسارع. وفي هذا القرن ظهر اتحاد الهانز في شمال ألمانيا، فكان ينشئ ما يشبه المصانع، فيأخذ المواد الأولية من البلدان الأقل تقدمًا ويصدِّرها لها (المواد والأدوات) مصنعة.
وبدلًا من أن تستورد أوروبا الورق والنسيج وغير ذلك من الشرق (من دمشق مثلًا أو القاهرة) ، بدأت بتصدير الورق إلى هذه البلدان، ونافست حِرَفَها الضعيفة إلى أن اختفت.
كما بدأت صناعة العدسات التي تساعد كليلي البصر. ثم سرعان ما راجت صناعتها في القرن الخامس عشر والسادس عشر (حين اكتشف غاليلة منظاره) .