فهرس الكتاب

الصفحة 18238 من 23694

إن جملة هذه الحقائق تقرر أن طرفة لم يكن (مغتربًا) عن فن عصره فهو منه في الصميم ولولا ذلك لما ضمه القدماء إلى الفحول الذين يمثل شعرهم النمط الجاهلي الممارس للتقاليد الفنية الشائعة ولوضعوه ضمن شرائح اجتماعية حددوها وأومأوا إلى تفرد شعرائها بنمط شعري يحمل ملامح اغتراب عن نمط العصر كالصعاليك والفرسان وأصحاب المراثي ( [16] ) .

إن انشداد طرفة في سيرته وموضوعات شعره إلى انتمائه القبلي ورضوخ فنه لتقاليد فن عصره لا يلغي التفرد والمفترض في موقف الشاعر الذي لا يكون شاعرًا إلا حين يغترب بتجربته ويتفرد في طرحها ومعالجتها، فضلًا عن أن طرفة نفسه كان يمثل نموذجًا نادرًا من نماذج الانتقال بالتجربة من واقعها الجماعي إلى واقعها الذاتي سواء على صعيد المعالجة الفنية أم المعالجة الموضوعية، وتلك هي الزاوية التي نريد أن ننطلق منها لتأمل طبيعة الاغتراب في شعره.

وإذ تشكل المرأة تجربة مشتركة في نصوص الجاهليين المتعددة الموضوعات فإن طرفة يواجه عالم المرأة بأدوات الشاعر الجاهلي نفسها، فهو يصور العلاقة مع المرأة حرمانًا يروض النفس ويستدر من ذلك الحرمان أرضية تشكيل المعاناة المفترضة في مقاطع النسيب والطلل بوجه عام، بيد أن المتأمل لبعض لوحات نسيب طرفة يسبر غور حالة اغتراب تبدو حالة الحب معها تفردًا بمعاناة من نمط خاص، فهو إذ يصور وجده الملتهب بين الأضلاع يطرح صورة تفرده في مواجهة المعاناة، فلا رفيق سفر يقف معه على طلل الراحلين ولا أنيس وحشه يسرّي عنه وينسيه بعض ما يعتمل بين الأضلاع:

مَن عائدي الليلة أم مَن نصيح

وتمتد أرضية التفرد والاغتراب لتكون غلالة صورة الحبيبة نفسها، فهو حين يقرن صورتها بصورة الظبية يصر على أن تكون تلك الظبية منفردة عن مجموعتها التي تنتمي إليها: ... تناوَلُ أطرافَ البريرِ وترتدي ( [18] )

خذولٌ تراعي رَبْرَبًا بخميلةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت