فإذا كنتَ من عشّاق التراث أخذ بيدك (الورّاق) وأرشدك المهتمون بالوِراقة من عالم فسيح إلى عالم فسيح تطالع فيه على الشاشة عنوانات جمّة في الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافية والرحلات وعلم الحديث والتراجم والفلسفة وعلوم القرآن وعلوم اللغة وكتب الفقه وكتب العقيدة وكتب الطب وتفسير الأحلام والتصّوف والبيبليوغرافية وشرائح متعدّدة من المعارف المتنوِّعة. وهذه عنوانات كبرى، تندرج تحتها عنوانات أصغر فأصغر. فإن دخلتَ في فروع كتب الأدب مثلًا، طالعك كتاب الأغاني والبخلاء والبيان والتبيين والعقد الفريد وصبح الأعشى وغيرها من (الملفات والمجلدات) . ولنفترض أنّك حاولتَ أن تدخل إلى كتاب الأغاني وأن تقلِّب أجزاءه التي تزيد على العشرين، أو تتصفح صفحاته التي تربو على خمسة آلاف وخمس مئة، وتنظر فيه صفحة تلو الصفحة، أو أنك تبحث عن شاعر معين أو خبرٍ يمتّ إلى الشعر أو الغناء بصلة؛ لأن استراتيجية تأليف الكتاب قامت على أصول غنائية بحتة يعيها الذين مارسوا قراءة الكتاب، أقول: لو أنك بحثتَّ عن طلبتك في ثنايا هذا الكتاب لأوقفك البحث عن (المادة) التي تريد استحضارها فإذا راقك خبر أو أبيات شعرية شدَّتْ اهتمامك عمدتَ إلى نسخ بُغيتك منه على صفحات (الطابعة) ووظّفتَ ما نسختَ في البحث الذي تشاء، أليست هذه الخدمة الجلى غير مسبوقة قبل اختراع هذا الجهاز؟ ألم تقل لنا كتب التراث إنّ الأصبهاني استغرق في تأليف الأغاني خمسين سنة؟ فها أنت ذا تقلِّب محتواه كله بخمسين ثانية. ألم تتذكّر معي كلمة ابن خلّكان التي يقول فيها: إن الصاحب بن عباد كان يستصحب في أسفاره حمل ثلاثين جملًا من كتب الأدب، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب غيره لاستغنائه به عنها، وكتاب الأغاني -كما قلت لك -نقطة في بحر هذا الجهاز.