فهرس الكتاب

الصفحة 18973 من 23694

ومرّت بعد ذلك قرون وأجيال تعرّضت فيها تلك الدولة لهزّات عنيفة وأزمات صعبة، وكان يظهر خلال ذلك شخصيات عظيمة تعيد التوازن، وترأب الصدع، وتجمع شمل الأمة بعد تمزق، لتقف في وجه الأعداء والمغيرين الطامعين كالمغول والتتار والصليبيين في المشرق، والإسبان الشماليين في الأندلس، وظهر قوّاد أبطال وزعماء أفذاذ اقترنت أسماؤهم بمن سبقهم من أندادهم العظام من أمثال سيف الدولة، ونور الدين الزنكي، الملقب بالشهيد، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بَيْبَرْس ويوسف ابن تاشفين، فضلًا عن اشتهار المعارك الظافرة التي أصبحت هي وأصحابها رموزًا سامية وأمثولات للنضال والدفاع عن الحمى، وصدّ الطامعين المعتدين، وسارت الركبان تشدو بحطّين، وعين جالوت، والزلاّقة مثلما تشدو باليرموك والقادسية وغيرها من الملاحم الخالدة التي يزهو بها تاريخنا كما نرفع بها رؤوسنا عاليات حتى هذا اليوم الذي تبدّلت فيه الأمور، وأصبح العرب والمسلمون في العصر الحديث مطلوبين بعد أن كانوا طالبين، وصاروا هدفًا يُرمى ولا يُخافُ بأسهم بعد أن كان يُحسب حسابُهم، وانقلب أمرهم من القوة إلى الضعف، ومن الوحدة والتماسك إلى التفرقة والتخاذل، على كثرة عددهم، وأصبحوا يفتقرون إلى قادة عظماء يحيون أمجاد أسلافهم الشامخة، ويعيدون بناء صرح الأمة من جديد، أمام تكالب الاستعمار الغربي وأحلافه بأشكاله المختلفة، وأطماع الصهيونية الإقليمية والعالمية، وما يصحب ذلك من الغزو الثقافي، والترويج للعولمة المسمومة، واغتصاب الأراضي والحقوق المشروعة في فلسطين وغيرها، وما إلى ذلك من صنوف التنكيل والعذاب والمضايقات التي يتعرض لها العرب والمسلمون، أفرادًا وجماعات ودولًا، وما أحوجهم في هذه الأيّام الصعبة، والظروف العصيبة إلى أن يستذكروا أبطالهم الميامين الذين بنوا للأمة مجدها، وصنعوا لنا تاريخًا نفتخر به، من جهة، ونستلهم منه كثيرًا من الأفكار والمعاني والقيم من جهة أخرى، ومن ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت