فهرس الكتاب

الصفحة 19596 من 23694

ويتحدث ابن خلدون ـ في موضع آخر ـ عن الملكة التبليغية competence communicative التي تتمثل في القدرة على التركيب السليم، ومن يمتلك هذه القدرة فقط قد لا يستطيع استعمال اللغة في مختلف المقامات والأوضاع وما تقتضيه أحوال الخطاب في ميادين الحياة اليومية، لأن الملكة التبليغية تؤخذ من وسائط عديدة: معرفية، ونفسية واجتماعية ـ ثقافية socio-culturelle بناء على البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها المتكلم، وهذا معناه أن الملكة التبليغة لا تكمن فقط في معرفة النظام النحوي والصرفي، بل معرفة قواعد ومعايير التوظيف وقدرة capacite المستعملين في ذلك. فإذا أردنا ـ مثلًا ـ إكساب طفل عادي الملكة التبليغية، فلا يكون اهتمامنا منصبًا على معرفة الجوانب الصرفية والنحوية فقط، لأن ذلك لا يحقق هدفنا ولا يمكننا من إكسابه تلك الملكة، بل علينا أن نهتم به عندما يتكلم: متى يتكلم؟ ومتى لا يتكلم؟ وعلامَ يتكلم؟ ومع من؟ وأين؟ وبأي طريقة يتكلم؟ (114) ، فبتصورات شبيهة بهذه راح ابن خلدون يعالج ظاهرة التبليغ بسبره لأغوار العملية التعليمية في مختلف مكوناتها: المعلم والمتعلم والمادة، أي المعلومات العلمية والفنية.

1 ـ على مستوى المعلم: من حيث تكوينه ومعارفه ومن حيث طريقته التعليمية التي تتأسس على ثلاثة تكرارات؛ يمثل التكرار الأول تمهيدًا لتهيئة المتعلم لتقبل المعلومات، ويمثل التكرار الثاني الانتقال إلى مستوى أعلى باستيفاء الشرح والبيان والخروج عن الإجمال، ويمثل التكرار الثالث المرحلة النهائية التي يتمكن المتعلم فيها من الاستيلاء على الملكة التامّة وهو الهدف من التعليم المفيد.

2 ـ وعلى مستوى المتعلم: من حيث جوانبه الخلقية وسلوكه مع معلمه ومن حيث نفسيته وقدراته الذهنية ومن حيث تعنيفه وقتل جذوة التحصيل في نفسه، ومن حيث تشويقه وترغيبه في الإقبال على التعلم والاستفادة منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت