فهرس الكتاب

الصفحة 19610 من 23694

وسمّاه"أبو هلال العسكريّ"المجاورة، وهي عنده"تردّد لفظتين في البيت ووقوع كلّ واحدة منهما بِجَنْبِ الأخرى أو قريبًا منها من غير أن تكون إحداهما لغوًا لا يُحْتاجُ إليها" ( [6] ) .

فالتّرديد، إذن، ظاهرة لغويّة طبيعتها صوتيّة محضة، ولكنّها لا تهمل الجانب الدّلالي الّذي تؤدّيه من خلال علاقاتها التّركيبية. بل إنهم احترزوا فيها من تناقص الفائدة، لذلك اشترطوا تعلّق اللّفظة بمعنى آخر من البيت. وهو الأمر نفسه الذي أقرّه"أبو هلال العسكري"بقوله:"من غير أن تكون إحداهما لغوًا لا يحتاج إليها ( [7] ) ."

وإذْ يبرز التّرديد ظاهرة صوتيّة قوامها التّكرار والإعادة، فهو يشكّل من زاوية النّظر هذه مظهرًا إيقاعيًّا لعب فيه ذِكْرُ اللّفظة ثانيةً دورًا موسيقيًّا حرًّا لا يتقيّد فيه الشّاعر -ولا النّاثر- بمواضع من النّظم معيّنة، وإنما تتحدّد المواضع بمقتضى التّركيب والسّياق اللّذين يتناسبان طرْدًا مع إيقاع البحر المُعْتَمَدِ من قِبَلِ الشّاعر.

ولا ينبغي أن نجزم أنّ الألفاظ المتردّدة في مواضع منتظمة أقوى من غيرها، ممّا يحقّق التّناسب في التّرديد ( [8] ) ، ذلك أنّ المستمع لا يتعلّق بالإيقاع وحده، وإنّما يشدّه التّركيب بوجه عامّ، مع ما يحتويه هذا التّركيب من مفاجأة السّامع وتقوية المعنى.

والحقّ أنّ الألفاظ المتردّدة تتوزّع في مواطن مختلفة من البيت خاضعة للنّموذج الخليلي المعتمد، فتمثّل المصادفة -حالئذ-أحد العوامل الأساسية المدعّمة للإطارين العروضي والتّركيبي.

وقد كثر التّرديد في الشّعر العربيّ حتى عدّه علماء العربيّة مزيّة من أهمّ مزايا الإبداع الشّعري خاصّة، فأفردوا له هذا الباب من البديع. وهو في نظر"ابن رشيق"شائع"في أشعار المحدثين أكثر جدًّا منه في أشعار القدماء. والعلماء بالشّعر مجمعون على تقديم أبي حيّة النّميري" ( [9] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت